مقدمة برنامج “ضروري نحكي” عبر الـOTV:
“في قلب كل لبنانيّ قلبان؛ مفصولان عن بعضهما، يحرد أحدهما من الآخر؛
واحد يقول أحبه وسأحبه أكثر كلما ساءت أحواله،
والآخر يقول أتعبني ولا أصدق كيف أغادره.
وفي عقل كل لبنانيّ عقلان؛ مفصولان عن بعضهما، يحرد أحدهما من الآخر؛
عقل يحث على القفز من المركب الذي يصارع كلّ أنواع العواصف البحرية والجوية، وعقل يقول إن أمكنة الإقامة المحتملة الكثيرة لا تغني عن الوطن، ولا بدّ أن نصارع معه ولأجله لتجاوز العواصف.
قلب يأخذنا يميناً وقلب يأخذنا يسارا، عقل يهبط بنا وعقل يصعد بنا؛ قبل الظهر شيء وبعد الظهر شيء؛ في طوابير الذل شيء وفي طريقنا الجبليّ إلى قرانا شيء آخر؛ حين نشاهد نشرات الأخبار شيء وحين نلاعب أحفادنا شيء آخر؛ في كل يوم وساعة ودقيقة نعيش الحالتين؛ نكرهه ونتمسك به، نغضب منه ونبكي علينا وعليه.
هي معضلة الأوطان؛ الأوطان التي نعرف أنها لا تقوم بسهولة، لا نستيقظ لنكتشف أن لدينا وطناً؛ لا تولد الأوطان الحقيقية إلا من تضحيات جسام، وها نحن نعيش هذه التضحيات. لكن السؤال الذي يؤرقنا ويخنقنا ويمنعنا من التنفس هو: هل يمكن لهذه التضحيات أن تنتج وطناً فعلاً، في ظل قوة المافيات من جهة والتضليل الاعلامي الهائل من جهة والتمسك الدولي بالفاسدين والمفسدين من جهة وتفضيل كثيرين المصلحة الخاصة على المصلحة العامة من جهة. هل ثمة أمل فعلاً؟ ومن القلب إلى العقل إلى الروح؛ في روح كل لبنانيّ روحان؛ روح مستسلمة منهزمة ترفع الرايات البيضاء وتقول لهم خذوا ما شئتم وهاتوا علبة دواء أو تنكة بنزين أو أربعمئة دولار، وروح مؤمنة ثابتة متماسكة تواصل القتال بكل عناد.
هناك من يكابر ويتكبر ويصر على الإيحاء بكرهه لكل شيء واشمئزازه من كل شيء، لكن صدقوا أننا في هذه الأيام أكثر قرباً من بعضنا البعض، من أي يوم سابق؛ أكثر شعوراً ببعضنا البعض من كل يوم سابق، ولو لم نكن هكذا لما صمدنا هذا العام كله.
في حلقتنا الليلة سنبحث الملف اللبناني كما يجب؛ بتقاطعاته الداخلية والخارجية. فالإضاءة على المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والمعيشية التي نعانيها مهم، لكن الأهم هو السؤال عن أسبابها، والتدقيق في هذه الأسباب، وحفرها في الذاكرة لمحاسبة المسؤولين الحقيقيين. إلا أن تحديد الأسباب لا يكفي وحده، فلا بدّ أيضاً من تحديد المسارات التي يفترض بالحلول أن تسلكها، ليعرف المواطن أين “فشة خلقه” تفيده نفسياً لبضعة دقائق، وأين تفيده وتفيد وطنه في الخروج مما نتخبط فيه. وهذه المسارات، بعضها محليّ طبعاً والبعض الآخر دوليّ حيث شاءت الظروف أن يقع البلد في لحظة حافلة بالمتغيرات الاقليمية والدولية التي لم ترس على برٍّ بعد، ويبدو واضحاً أنها تأخذ وقتها، غير آبهة كثيراً بما يمكن أن يحصل لنا.
في حلقتنا الليلة نستضيف الإعلامي سامي كليب لنبحث معه في “لعبة الأمم” في بلدنا، في حلقة غنية جداً بالمعلومات والتحليل، تربط الداخل بالخارج وتبحث في تناقضات الداخل وآفاق التغيير وإمكانية بناء وطن، لا مكان إقامة، فوق أنقاض هذا النظام.”


