5 آيار، 7 آيار، مقارنة جبران باسيل بدور وليد جنبلاط في ال2008، “قيادة التيار إلى الذبح”، مصطلحات وعبارات تهديدية فاض بها الإعلام المؤيد للثنائية الشيعية، منذ أن تيقن بسقوط رهانه على مرشّح الفرض سليمان فرنجية، وتحول جهاد أزعور إلى مرشح استقطابي لفئات متنوعة ومتخاصمة، “تقاطعت” عليه.
بالأحرى، منذ أن أدرك حزب الله، أن الشجرة التي أصعد نفسه إليها، باتت باسقةً جداً، وأن الأزمة هو من نسجها بنفسه…
وبالتأكيد، هي ليست أزمة إدراك استجدّ فجأة، حول “معدن” التيار الوطني الحر، ومواقف جبران باسيل. فحزب الله، -والإعلام المؤيد له استطراداً- يعلّم جيداً، ويتذكر، صلابة باسيل في المحافل الدولية والعربية، واقتناعاً، لا مجاملةً، بمكامن قوة لبنان دفاعاً عن مصالحه. وليس ميشال عون من أطلق على نفسه لقب “الجبل”، الذي يلا يلين ولا يتراجع أمام تهديدات أعظم قوة في العالم…
إذن ما الذي تغيّر ليبرز كل هذا التوتّر والوعيد والتهديد؟ هل يستأهل الوقوف عند خاطر مرشح مهما كان اسمه، أن يفرّط حزب الله بآخر قوة سياسية تمثل الشريحة الوازنة لدى المسيحيين، ويُقدِم، على عزل نفسه؟ هل باتت قوة المقاومة العسكرية، ووزنُها، ودورها الذي يتجاوز لبنان، متوقفةً على شخص سليمان فرنجية؟ ثم، أين الحديث عن أنَّ قوة المقاومة من ذاتها ومن صلبها، وأن مسألة رئاسة الجمهورية لا علاقة لها بالتأثير على سلاح المقاومة وقوتها الإستراتيجية؟
أين الهدف إذاً، من الإصرار على مرشح الفرض؟ مسارات الأمور تكشف هي عن نفسها. إصدار القرار بمعادلة سليمان فرنجية أو لا أحد، ومن دون الوقوف عند إرادة المسيحيين، المعنيين الأوَل بموقع رئاسة الجمهورية، يعني عملياً وقولاً الإطاحة بمبادئ الشراكة والحوار و”التفاهم” بحد ذاته، والتي شكّلت أسس العلاقة الثابتة والمتينة بين حزب الله والتيار الوطني الحر على مدى 17 عشر عاماً. لا بل أن هذا التفاهم، قُدم كنموذج للعلاقات السياسية السليمة بين قوى مختلفة عقائدياً ومذهبياً وسياسياً، على خلاف الإنقسامات اللبنانية التقليدية ومنطق التحريض والإشتباك.
ثم إن منطق “تربيح الجميلة” و”التمنين”، لا يستقيم، حتى في معادلة احتساب دفتري للخسائر والأرباح. المسألة مسألة مبادئ وقناعات بالدرجة الأولى. ليس العزل من يتحدث عنه الإعلام المؤيد للثنائية الشيعية، بل أن أول من رفعه شعاراً وذكّر بخطورته مستعيداً سلوك عزل الكتائب في ال1975 كان العماد ميشال عون، وتحديداً بعد تصريحات الزرقاوي عن الفتنة السنية الشيعية، وعندما أدرك بعد زيارته إلى واشنطن في خريف العام 2005 ما كان يُطبخ في أروقة المحافظين الجدد غير العابئين بنسيج المنطقة ولبنان.
وإذا أرادَ البعض اللجوء إلى الحساب الدفتريّ، عندها أيّ مراقب يعلم جيداً ما خسره التيار الوطني الحر مسيحياً، وحتى في صورته أمام النخب المستقلة المدنية، لا بل في الشارع السُني الذي كان يمتلك فيه تأييداً ملحوظاً ومعروفاً. وفي كل ما يُذكر أو يُقال، ينطبق على طرفي التفاهم، معاً. كلاهما تعرّضا للعزل، ومعاً كانت لهما نظرة لمواجهة التهديدات الأميركية حماية للبنان، ومعاً قاربا الحرب في سوريا بآفاقها ومصيرها، ومعاً تساعدا ليدخلا السلطة التنفيذية التي انخرط فيها حزب الله بعدما تجرع مرّ التحالف الرباعي، قبل أن يلمس خطأه التأسيسي الأول بعد العام 2005. هذا إن لم نضف أيضاً ما خسره “التيار” والرئيس عون في ظل عدم إيمان حزب الله بمسألة بناء الدولة، وما تقتضيه من خيارات صعبة.
وطالما النقاش مفتوح، ليكن معلوماً أنَّ إبعاد المسيحيين عن الشراكة وعن النظام، عدا عن أنه غير ناجح ولم يعد بالإمكان تحقيقه، هو إدانةٌ لأصحابه وليس مفخرةً لهم، لا بل أنه سيفٌ ذو حدين: تظن أنك تستعمله ضد من لا ينصاع لإرادتك، ثم ينقلب عليك في ظروف ومراحل مختلفة…
هناك أزمة اليوم، صنعتها الثنائية الشيعية بيدها، بسبب التخبط في مقاربة التطورات وعدم القدرة على فتح نوافذ للحوار. وحده جبران باسيل قدَّم سلماً للنزول وبهدوء، عبر الحوار والتفاهم، لكِن من منطلق الشراكة، لا الفرض. والسلّم هذا، ليس مصطنعاً، ولا اختراعاً عجيباً. هو نتيجة مواد لبنانية ذاتية، يتم “طبخها” وخلطها بالحوار، والبحث عن مساحات مشتركة بين قوى متنافسة، ومتصارعة، في سبيل المصلحة اللبنانية العامة. والنجاح هنا، ليس لباسيل، أو للتيار الوطني الحر، بل كالعادة، يجتهدان كلاهما، فيما الربح للبنان وجميع مكوناته…
والتيار الوطني الحر لا زال هو هو، ليس منذ العام 2006، فحسب، لا بل من طلائع تشكله في التسعينات والتظاهر على المعابر. منفتح على جميع اللبنانيين، مؤمن بالحوار وحق الإختلاف، لبناني في الصميم، سيادي وطني لا يراهن على الخارج، قراره من ذاتيته فحسب، ومن رؤيته لمصلحة كل لبنان…
خياره هذا، هو السبيل الوحيد للإنقاذ… ألم يذكّرهم ميشال عون يوماً، ومن لندن في العام 2000، بأن “الحوار طريق الخلاص”؟!


