في لبنان هناك استمرار لتقليدٍ مديد لدى الأنظمة العربية، يقول بتحويل الخسارات إلى انتصارات. هي مشكلة عميقة بالتعاطي مع الواقع وإنكار الحقيقة، وهذا السلوك لا يمكن أن يُنتج سوى المزيد من الخسارات والتراجع، إلا عندما يُستبدل بقراءة حقيقية تقوم على العقل والمنطق والإعتراف بالخطأ وتصحيحه.
وما حصل أمس في قراءة نتائج جلسة 14 حزيران، يصب في هذا الإتجاه. سارع المستعجلون إلى إعلان “نصرٍ” مجوف لفرنجية نتيجة ال51 صوتاً التي نالها، لا بل أنَّهم اعتبروا أن التقاطع على أزعور بين الطيف الواسع سيتخلخل تدريجياً. وما كل ذلك إلا استعجالٌ متهور وقراءة سطحية في النتائج. صحيحٌ أن مؤيدي جهاد أزعور كانوا يأملون بحصوله على ما بين 62-65 صوتاً، وهي نتيجة منطقية لو احتُسبت الأصوات التي صبّت لزياد بارود، لكن في النتيجة تبقى ال59 أكثر من ال51، مع كل الإستنفار النيابي والإستقطابي الذي حصل في داخل إدارة الثنائي الشيعي الإنتخابية عشية جلسة الأمس.
خلاصات عدة أبرزتها جلسة الأمس تدفع إلى آفاق مختلفة. تأكد البارحة أن قوة “الثنائي” في خارج المجلس ووهجها، لها حدود في “التقريش” الإنتخابي والسياسي. فمع الإستنفار في جمع الأصوات لفرنجية، يبقى مرشحاً بمنطق الفرض ومواجهة المسيحيين، المعنيين الأول في النظام اللبناني برئاسة الجمهورية. وهذا ما نجح طيف المتقاطعين في إبرازه لجهة بقائه مرشحاً مجرداً من هذا الدعم المسيحي، لا بل مواجِهاً له، وعبثَاً. لا بل أن فرنجية ترسَّخ وجوده كمرشح لمنظومة التسعينات التي تثير في الوجدان المسيحي اللبناني “كوابيس” لماضٍ أليم في الإقصاء والهيمنة والسياسات الخاطئة التي ارتدت على جميع اللبنانيين.
الخطورة الحقيقية تكمن في ملامح “سكَر” “الثنائي” على ما اعتبروه “زبيبة” جلسة 14 حزيران. ففي حال استمرار حال الإنكار هذه للوقائع، وبدل أن ينتقل للبنان إلى مرحلة جديدة من الحوار، سيتعمق الإنقسام وسط جدالات بيزنطية لا تنتهي، ورهانات على تعب الفريق الآخر. وهنا، تسقط ذرائع ثنائية أمل – حزب الله أمام التغيّر الذي مثّله طرح جهاد أزعور لجهة التقاطع عليه، في مقابل الإصرار على فرنجية لا غير. أما “التعب” فغير موجود أمام المتقاطعين، وخاصة لدى التيار الوطني الحر، لأن الطرح المقابل للثنائية الشيعية لم يقدم سوى الفرض والإستسلام لمرشح ينفِّذ عملية تجميل لمنظومة التسعينات العجوز.
كما أن المتقاطعين على جهاد أزعور، سيزيدون من التنسيق فيما بينهم وسيسعون إلى سد الثغرات التي حالت دون تجاوز مرشحهم ال60 صوتاً. وفي كل السيناريوهات الممكن طرحها، سواء رص الصفوف لدعم أزعور في أي جلسات مقبلة، أو حتى البحث في إسم جديد، سيكونون أكثر قوة وتماسكاً في مواجهة منطق الفرض الذي يمثّله فرنجية. ذلك أن تماسك الثنائية الشيعية وحلفائها قوي في الظاهر، لكنّه واهن في الداخل لأنه “حشرَ” نفسه داخل علبة واحدة إسمها فرنجية، وأصعد نفسه بالتالي إلى الشجرة الباسقة. أما طيف المتقاطعين على أزعور الذي يبدو هشّاً في الظاهر، هو أكثر قوة نتيجة هامش المرونة والتفاوض الواسع، فضلاً عن تقديمه حلولاً للأزمة، لا مزيداً من تعقيدها.
ومن الواضح أنه أمام القراءة الخاطئة، وإنكار الأزمة التي يمثلها دعم فرنجية، سيذهب لبنان إلى فراغٍ مديد، خاصةً إذا تضمن الإنكار للوقائع المحلية، تجاهلاً للمراقبة الدولية للتعاطي مع جلسات الإنتخاب، أو حتى رهاناً على أن فرنسا تضع الولايات المتحدة “في جيبتها” رئاسياً، لا العكس.
وحده الحوار الحقيقي والعودة إلى خارطة الأولويات الرئاسية التي طرحها التيار الوطني الحر، يفتحان ثغرة في الجدار المسدود. ما عدا ذلك رهانات وقراءات تُمعن في الخطأ، كما سياسة النعامة في طمر رأسها في الرمال. هذا من شأنه أن يكلّف لبنان وشعبه غالياً…


