بين إيران وجرينلاند توقفت الميكانيزم (حبيب البستاني)

حبيب البستاني*

بعد زلزال كراكاس وتسوية النص النص في فنزويلا، ظهرت أزمة واشنطن – طهران   بحيث فرضت الولايات المتحدة  على العالم واقعاً جديداً ونظرة جديدة للعلاقات بين الدول، التي أصبحت بين ليلة وضحاها وكأنها مجرد أجرام صغيرة تدور في الفلك الأميركي. وبلمح البصر انتقل الرئيس ترامب من الملعب الغربي إلى الخليج الفارسي ليقوم بتهديد الجمهورية الإسلامية التي عاشت أياماً صعبة، أشد وأدهى من تلك التي تعيشها نتيجة الاضطرابات الداخلية والمظاهرات المطالبة بقلب نظام آيات الله، ولكن وفيما كانت طبول الحرب تُقرع بشدة والاستعدادات العسكرية تتكثف، انحسر التوتر وابتعد شبح الضربة الأميركية الإسرائيلية وذلك لأسباب أميركية بحتة من جهة، ومن جهة أخرى تلبية لنصائح خليجية تخوفت من توسع رقعة الحرب وخطر امتدادها إلى منابع النفط وكل منطقة دول مجلس التعاون الخليجي. فالرئيس الأميركي وبالرغم من حالة فائض القوة التي يعيشها فهو لا يريد الحرب للحرب، بل يريد الحرب سبيلاً للسلام، وهو لم يترك مناسبة إلا وأعلن عن نيته في إخماد بؤر التوتر ووقف الحروب في العالم من غزة إلى أوكرانيا، وكذلك فالولايات المتحدة تريد كل ما من شأنه تأمين مصالحها لا سيما الاقتصادية والتجارية، فإذا استطاعت من تأمين أهدافها بالطرق الدبلوماسية كان به وهي لن تلجأ إلى الحرب إلا كحل أخير.

جرينلاند والحرب الجديدة
بعد زوال خطر الحرب في الخليج الفارسي، وذلك مع إذعان إيران والإعراب عن قبولها بالتفاوض والدبلوماسية سبيلاً لتحقيق اتفاق نووي بالشروط الأميركية، عادت الولايات المتحدة للتوجه ناحية جرينلاند التي تشكل الجزيرة الأغنى والتي تتمتع بموقع جغرافي مميز وتمثل منطقة بالغة الأهمية بالنسبة للأمن الأميركي، ومع إنها تابعة لمملكة الدانمرك فإن الولايات لمتحدة تعتقد أنها غير خاضعة أمنياً لها بحيث أنه من السهولة اختراقها من قبل البحرية الروسية أو الصينية في آن معاً، إذ إنه من شبه المستحيل أن تقوم الدانمرك من مراقبة شواطئها التي تمتد على أكثر من 44000 كم، وقد أعربت الولايات المتحدة برغبتها في وضع اليد عليها إن بالقوة أو من طريق الشراء. هذه الأزمة المستجدة بين أميركا وإحدى الدول العضو في منظمة حلف الأطلسي الناتو، دفعت بالأوروبيين للوقوف ضد الأطماع الأميركية، وبالفعل فقد أرسلت أكثر من دولة أوروبية بينها فرنسا والسويد وألمانيا جنوداً إلى جرينلاند وذلك في إطار المناورات المشتركة مع الدانمرك، واللافت كان إرسال بريطانيا جندياً واحداً وذلك كبادرة لمشاركة كل أوروبا في الدفاع عن جرينلاند. هذه التطورات دفعت بترامب للإعلان عن نيته في فرض عقوبات ورسوم جمركية مرتفعة قد تتجاوز ال 25% على كل دولة تعارض الغزو الأميركي لجرينلاند، وقد أعلن الأوروبيون عن رفضهم للعقوبات الأميركية ملوحين بالرد بالمثل لمنع وصول المنتجات الأميركية إلى أوروبا. 

أوروبا تلغي الرسوم الجمركية عن دول في أميركا اللاتينية
في هذا الوقت كان لافتاً ما قام به الأوروبيون في توقيع اتفاق مع دول ال MERCOSUR وهذه الدول هي الأرجنتين والبرازيل والأوروغواي والباراغواي، وهذا الاتفاق يشمل أكثر من 700 مليون نسمة سيستفيدون من حرية التبادل وإلغاء أكثر من 90% من الرسوم الجمركية. إذن أميركا تذهب باتجاه فرض رسوم جمركية عالية على أوروبا في الوقت التي تبادر الأخيرة لتسهيل حرية التجارة العالمية، من هنا فرياح الخلافات ستشتد بين أميركا من  جهة والقارة القديمة من جهة اخرى وهذه الخلافات ستنعكس حتماً على مستوى العالم.

لبنان في خضم المنازلة الفرنسية الأميركية
بات واضحاً أن الخلاف الأميركي الأوروبي قد انعكس على العلاقات بين فرنسا وأميركا، وقد تجلت الخلافات في عمل لجنة الميكانيزم التي تجمدت أعمالها، وفي ما كان الموفد الفرنسي جان إيف لودريات يحاول، حلحلة المسألة فإن الوضع بات أكثر تعقيداً، وقد حدا بإسرائيل للمطالبة علناً بعدم القبول بتمثيل فرنسي في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية، وتتجه الدولة العبرية بمساندة الولايات المتحدة إلى المطالبة بلجنة مدنية دبلوماسية لا تبقى مهمتها محصورة بالشؤون العسكرية إنما تذهب بعيداً على طريق التطبيع وذلك بعيداً عن اتفاق الهدنة الموقع بين لبنان وإسرائيل. فإلى متى سيبقى عمل لجنة الميكانيزم معلقاً؟ وهل سيبقى تنفيذ حصر السلاح شمال الليطاني دونه عقبات ظاهرها داخلي وامتدادها خارجي؟ فهل تبقى الأمور معلقة لحين إيجاد الحلول الدبلوماسية لجرينلاند وطهران.

 

كاتب سياسي*

You might also like