النقاش- المعضلة: بين استعادة المارونية السياسية والخلط في فلسفة انتقال الصلاحيات

أنطوان الأسمر
أظهرت وقائع جلسة الحكومة التي انتهت إلى تعيين كريم سعيد حاكماً لمصرف لبنان بالتصويت لا بالتوافق، مدى التعقيد الذي يطبع العلاقة بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، والخلاف المتنامي الذي يُتوقع أن يتفاقم مع مرور الوقت في ظلّ الملفات الساخنة المطروحة. ففي حين كان من المفترض أن يشكّل التعيين استحقاقًا إداريًا يجري تمريره وفق تفاهمات مسبقة، كشفت الجلسة عمق الهوة بين أركان الحكم، خصوصاً أن اعتماد آلية التصويت بدلاً من التوافق شكّل مؤشراً صارخاً إلى هشاشة التفاهم بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، وإلى صعوبة التعاون في ملفات أكثر حساسية ودقة.
لا يقتصر الخلاف بين عون وسلام على ملف تعيين حاكم مصرف لبنان، بل ينسحب على سلسلة استحقاقات كبرى، من سلة التعيينات الواسعة في الإدارة والقضاء والديبلوماسية، إلى الإصلاحات وخطة النهوض وأموال المودعين، مرورًا بمسألة النازحين السوريين التي تحوّلت محور تجاذب داخلي وخارجي، وليس انتهاءً بالانتخابات النيابية وآلياتها، سواء لناحية القانون الانتخابي الساري أو التعديلات المطروحة عليه.
دخلت العلاقة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة منعطفًا صعبًا، حيث تتجلى ملامح التباين العميق في نهج إدارة الدولة واتخاذ القرارات الأساسية، وهو تباين يُرجّح أن يتفاقم في الأسابيع المقبلة مع تراكم الملفات التي لا تقلّ تعقيدًا عن ملف تعيين حاكم مصرف لبنان.
الاحتكاك الذي برز في جلسة الحكومة ليس وليد اللحظة، بل يأتي في سياق أوسع من التوترات التي طبعت العلاقة بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة منذ إقرار اتفاق الطائف سنة 1989، يوم أُفرغت رئاسة الجمهورية من معظم صلاحياتها التنفيذية، ووُضعت في مجلس الوزراء مجتمعًا، وفق ما تنصّ عليه أحكام الدستور المعدّل. غير أن الممارسة السياسية أفرزت واقعًا مختلفًا، حيث سعى رؤساء الجمهورية المتعاقبون إلى استعادة دور مؤثر في صناعة القرار، في حين تعامل رؤساء الحكومات المتعاقبون مع الصلاحيات المنتقِلة إلى مجلس الوزراء كأنها اختصاص حصري لهم، مما أدى إلى سلسلة من الاشتباكات الدستورية والسياسية التي انعكست على استقرار الحكم وأداء مؤسسات الدولة.
وشهدت الجمهورية الثانية منذ نشأتها العديد من محطات الصدام بين الرئاستين، بدايتها مع النزاع بين الرئيس إلياس الهراوي والرئيس رفيق الحريري، حيث حاول كلٌّ منهما فرض رؤيته في إدارة الدولة، في ظلّ تداخل الصلاحيات وانعدام الحدود الفاصلة بين ما هو دستوري وما هو ناتج عن أعراف سياسية تراكمت عبر السنوات. ولم يكن هذا الاشتباك استثناءً، بل تحوّل قاعدة في العلاقة بين الرئاستين، حيث تكرّر المشهد نفسه مع رؤساء جمهورية ورؤساء حكومات لاحقين، فيما ظلّ رئيس مجلس النواب نبيه بري لاعبًا ثابتًا وشريكًا أساسيًا في معادلة الحكم، ضمن ما عُرف بالترويكا.
وليس خافيا أن اللجوء إلى التصويت في مجلس الوزراء يُعتبر خيارًا غير محبّذ، وهو أشبه بأبغض الحلال في العمل الحكومي. إذ إن التقليد السياسي درج على اعتماد التوافق آلية رئيسية لاتخاذ القرارات، تجنّبًا لإظهار الانقسامات الداخلية وتأجيج الخلافات بين المكونات السياسية والطائفية. إلا أن ما جرى في الجلسة الأخيرة كشف استحالة تحقيق التوافق، وهو ما دفع إلى اعتماد التصويت كخيار اضطراري، رغم إدراك الجميع تداعيات هذه الخطوة، سواء على العلاقة بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، أو على مستوى التضامن الحكومي ككل.
وكانت جرت محاولات حثيثة في الساعات التي سبقت الجلسة لتفادي خيار التصويت، وبحثًا عن مخرج يحفظ ماء الوجه ويمنع وقوع الصدام العلني بين أركان الحكم. غير أن هذه المحاولات باءت بالفشل، ممّا أفضى إلى مشهد سياسي صاخب كرّس الانقسام وأعاد طرح الأسئلة حول مستقبل العمل الحكومي في ظلّ التوتر القائم.
ولا تبدو المقاربة التخفيفية التي حرصت أوساط كل من بعبدا والسرايا على تعميمها، كافية لتبديد الهواجس المتزايدة حول مستقبل العلاقة بين الرئاستين، في ظلّ قناعة راسخة لدى العديد من المراقبين بأن ما جرى في الجلسة الحكومية ليس سوى أول الغيث، وأن الاشتباك السياسي مرشح للتفاقم مع اقتراب الاستحقاقات الداهمة

You might also like