وجه مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان رسالة الى اللبنانيين لمناسبة ذكرى الإسراء والمعراج الاتي نصها: “الحمدُ للهِ الذي أسرى بعبدِه ليلاً من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى ، ثم عَرَجَ بهِ إلى السمواتِ العُلا والمَقَامِ الأسمى ، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِنا ونبيِّنا محمد ، صاحبِ الشفاعةِ العُظْمَى الذي تجلَّى عليه ربُّه بما لا يحصى ولا يُعَد من الآياتِ الكبرى ، وعلى آلهِ وأصحابِه وأتباعِهِ الذين آمنوا بمعجزةِ الإسراءِ والمعراج ، ولم تُصِبْهم فتنةٌ ، بل ازْدَادُوا إيماناً وهم يَسْتَبْشِرُون ، وبعد :
أيها المسلمون
أيها المواطنون
تحُلُّ مناسبة الإسراءِ والمعراج وكلُّها في التَّاريخ والحاضر، وهي صِدقٌ وإيمانٌ واعتِبار، وتحيَّةٌ لرسولِ اللهِ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه.
يَقعُ كلٌّ من الإسراءِ والمعراجِ بين أربعةِ معانٍ وأهداف،
الأوَّل: زيارةُ الأرضِ المباركة، وقد نصَّ على ذلك القرآنُ في سورةِ الإسراء ) سُبحانَ الذي أَسرى بعبدِه ليلًا مِنَ المسجِدِ الحرامِ إلى المسجِدِ الأقصى ( وتقعُ مِساحةُ الرَّحمةِ ومسافةُ البركةِ بين المسجدَين بمكَّةَ وبينَ المقدِس.
الهدفُ الثَّاني: الاعترافُ برسالةِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ وَبَعثَتِه عندما رأى الأنبياءَ السَّابقين في المعراج، فصار بينهم تعارفٌ وتضامنٌ.
الهدفُ الثَّالث: الإكرامُ له صلواتُ الله وسلامُه عليه كما ورد ذِكرُه في سورة النَّجم ) ثمَّ دنا فتدلَّى فكانَ قابَ قَوسَين أو أدنى.( )فأَوحَى إلى عبدِه ما أوحَى( )ماكَذَبَ الفؤادُ ما رأى( )أفتُمارونه على ما يرى( )ولقد رآه نَزلَةً أخرى( )عِندَ سِدرةِ المنتهى( )عندَها جنَّة المأْوَى( )إذ يَغشى السِّدرةَ ما يَغشى ( ) ما زاغَ البصرُ وما طَغى( ) لقد رأى مِن آياتِ ربِّه الكُبرى( سورة النَّجم
الهدفُ الرَّابع: الدخولُ في ميراثِ الأنبياءِ الذين كانت لكلٍّ منهم رِحلةٌ دينيَّةٌ عَقَدِيَّة تُخلَّدُ في الدِّين، وتَبقى ذِكرى عزيزةً لدى المؤمنين في استِحقاقِ نبِيِّهم الكرامةَ والنُّبوَّةَ والدُّخولَ في الأنبياءِ أولي العَزْمِ مِنْ أصحابِ الرِّسالات.
أيها الإخوة، أيها السَّادة
كان الإسراءُ إلى بيتِ المقدِس، والمِعراجُ مِن بيتِ المقدِس، والمسجِدُ الأقصى في بيتِ المقدِس، في أرضِ الشَّامِ التي بارَكَها القرآن. وهكذا يَجتَمِعُ لدينا نحن عربًا ومسلمين مَقصِدان: مَقصِدُ المسجِدِ الأقصى باعتِبارِه ثالثَ الحرمَين، وَمَقصِدُ حِفْظِ العيشِ والسَّلامِ الدِّينيِّ في العلاقاتِ الوثيقةِ مَعَ أهلِ فلسطين ومواطنيها. والله سبحانه وتعالى يقول: ) وَلَتَجِدّنَّ أقربَهُمَّ مَوَدَّةً للذين آمنوا الذين قالوا إنَّا نصارى ذلكَ أنَّ منهم قِسِّيسين ورُهبَانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرون( المائدة 82
إنَّ ما أصابَ أهلَ غَزَّةَ وفلسطين في السَّنتين الماضيتين وما يَزالُ يُصيبُهم مِنْ قتلٍ وَتَهجيرٍ وتَخريبٍ لديارِهم، لا يُمكِنُ السُّكوتُ عنه فَضلًا عن قَبولِه.
لقد وقَفَ العربُ والمسلمون بقيادَةِ المملكةِ العربيّةِ السُّعوديَّةُ في مواجهةِ الغَزوِ والحِصار، وناضلوا لوقفِ إطلاقِ النَّار. كما ناضلوا وما يزالون من أجلِ حلِّ الدَّولتَين. لن تنتهيَ المشكلاتُ حتى يَحصُلَ الفلسطينيّون على حقوقِهم، وعلى رأسها المسجدُ الأقصى المبارك، فيكون خارجَ سُلطةِ الاحتلال، وانتهاكاتِ المُستوطِنين، مُستَقبِلًا الرَّاكعين والسَّاجدين.
إنَّ ما أصابَ لبنانَ وما يَزالُ يُصيبُه مِن القتْلِ والانتِهاكاتِ الصهيونية فظيعٌ أيضًا. وهو لا ينالُ مِنَ الأنفُسِ والممتلكاتِ كلَّ يومٍ فقط؛ بل إنَّه يتسبَّبُ بِعُطْلٍ أكبرَ وهو التَّاثِيرُ السَّلبيُّ في شوطِ قيامِ الدَّولةِ اللبنانيَّةِ التي ننتظِرُها جميعًا، وبخاصَّةٍ في هذا العهدِ الجديد.
أيها المسلمون
أيها المواطنون
لا يَصِحُّ إنكارُ التَّقدُّمِ الذي حصَلَ لجِهةِ حصرِ السِّلاحِ وجمعِه مِنَ جنوبِ الليطاني، ولا لِجِهةِ مشروعِ قانونِ الفجوةِ الماليَّة الذي ننتظرًه منذ العام 2019. إنَّني لا أعني بذلكَ أنَّ المُتابعةَ والنَّقدَ ليسَا مَقبولَين. فهذا حقُّ الخُبراءِ وكُلِّ الحريصين على أمنِ الوطنِ والمواطن واستِقرارِه.
لكنَّ الانتقادَ ينبغي أنْ يَستندَ إلى تقريرٍ صحيحٍ للشُّروطِ والعقباتِ والمُعَوِّقات. ثُمَّ إنَّه سواءٌ في الملفِّ العسكريِّ أوِ الماليِّ لا تستقِلُّ سُلطتُنا بوضعِ الحلول، بل عندنا شركاءُ إقليميُّون ودَوليُّون، وكلُّ تفاوضٍ يحتاجُ إلى ظروفٍ ملائمةٍ وصناعةٍ في ضَوءِ المصلحةِ الوطنيَّةِ في المدى الطَّويل.
إنَّني – والحقُّ يُقال – لا أخافُ على الوَحدةِ الوطنيَّة، كما لا أخافُ مِنَ الفتنةِ الدَّاخليَّة. لقد تَعلَّمنا دروسًا هائلةً من الحروبِ والفِتنِ بالدَّاخلِ ومِنَ الخارج. ونحن نَزدادُ كُلَّ يومٍ حُبًّا بوطنِنا ومواطنينا. وبهذه المناسبةِ أوِ الفرصة أَوَدُّ تَكرارَ التَّهنئةِ للإخوةِ في الوطنِ في أعيادِهمُ الدِّينيَّةِ والسَّنويَّة.
أيها الإخوة المواطنون
لا أكتُمكم أنَّني منزعجٌ من شائعاتِ الوَهمِ التي أصابتْ كثيرًا مِنَ الشَّخصِيَّاتِ والمؤسَّسات، ومنها دارُ الفتوى. لا يَصِحُّ أن تَستَخِفَّ الجهاتُ الإعلاميَّةُ بأعراضِ النَّاسِ وسُمعتِهم. وقد جاءَ في القرآنِ الكريم) يا أيها الذين آمنوا إنْ جاءَكم فاسقٌ بنبأٍ فَتَبَيَّنوا أنْ تُصيبوا قَومًا بجهَالةٍ فَتُصبحوا على ما فَعَلْتُم نادمين ( لا بُدَّ للقضاءِ مِن أنْ يُنهيَ هذه الواقعات، ويَحكُمَ فيها بسرعة، حتى لا تبقى سُمعةُ النَّاسِ الأفاضلِ عُرضَةً للانْتِهاك.
لقد كنَّا نشكو دائمًا مِن عدمِ قيامِ الحكوماتِ بواجبِها، وحكومةِ العهدِ الجديدِ ورئيسُها حريصون على أداءِ واجباتِهم. فنحن نعرفُ لرئيسِ الحكومةِ النَّزاهةَ والوفاءَ بما تَعهَّدَ به، ولأنَّ المهِمَّاتِ عسيرةٌ، فمِن حقِّه وحقِّ الحكومةِ أيًّا يكنِ اختلافُ الرَّأي، أنْ تَظَلَّ سُمعتُه بعيدةً عن شائعاتِ التَّشكيكِ والانتهاكِ بدونِ داعٍ ولا مُبَرِّر.
دار الفتوى مَعَ الدُّستور، مَعَ الطَّائف، مَعَ مُعالجَةِ الأوضاعِ الاقتِصادِيَّةِ وَالحَياتِيَّةِ وَالمَعيشِيَّة ، مَعَ عَودَةِ لبنانَ إلى حَيَاتِهِ الطَّبيعِيَّة، مَعَ إنْمائهِ وَازْدِهارِه وإعماره، مَعَ التأكيد على العَيشِ المُشْتَرَك ، مَعَ عُروبةِ لبنانَ وَحُضورِهِ العَرَبِيِّ، وَدَورِهِ في كُلِّ المَجالات ، نحن مَعَ لبنانَ وَطَنًا سيِّدًا حُرًّا مُستقِلاً، وَطَنًا ِنهائيًّا لِجَميعِ أَبْنائه
في ذكرى الإسراءِ والمِعراج نذكُرُ آلامَ الوطن، وآلامَ فلسطين.
وَنسألُ اللهَ سبحانه وتعالى الرَّحمةَ والتَّيسير، وصَونَ الدِّماءِ، وحِفظَ الأوطان، وكرامةَ الإنسان، إنَّه سميعٌ مجيب”.


