العقدة السورية ونظامها السابق

وكالات: سامر المنجد-

رغم عقد ونصف من الحرب والهشاشة التي أصابت بنية الدولة السورية لكن الأمن الإقليمي يقف على حدود خطرة بعد انهيار النظام السياسي، فمغادرة الرئيس السابق بشار الأسد كان مساحة جديدة لحرب سرديات استمرت ليومين دمرت فيها “إسرائيل” كل البنية العسكرية السورية.

ما انتهى في سورية لم يكن نظاما سياسيا بل منظومة سيادة ليست محصورة في المرحلة التي أعقبت سيطرة البعث على السلطة، وفي نفس الوقت فرحيل بشار الأسد الذي رافقه سيل من “الصفات” كان في نفس الوحيد تصفية لمفهوم “دولة القوة” التي بقيت رغم كل الضعف التي انتابها قادرة على التعامل مع المخاطر، وبناء تحالفات إقليمية، فما مثلته كان مشروعا يتم ربطه اليوم بحقبة سياسية محددة، إلا أن تدمير الجيش بالطريقة التي مارستها “إسرائيل” هو إنهاء لعامل سياسي بقي حاسما منذ الاستقلال.

يمكن وضع قائمة طويلة من الأخطاء والسمات التي تخللت حقبة البعث، وعلى الأخص المرحلة التي أعقبت وفاة الرئيس حافظ الأسد، لكن هذا الأمر لا يعفينا من النظر إلى المرحلة بتفكير جديد للبحث عن نوعية المرحلة التي يريد الكثيرون سحقها، ووضعها في إطار “الطغيان” أو “الاستبداد”، ويمكن هنا النظر إلى أمرين أساسيين:

– الأول أن الانهيار لم يكن في ذروة ضعف الحكومة السورية وقوتها، فهي رغم تعثرها المزمن في التفاعل مع نتائج الأزمة، والحصار المستمر منذ سنوات لكنها استطاعت طرح رمزية خاصة لاستقلالية الدولة في الأزمنة القاسية.

مثلت السلطة في سورية درجة التعقيد المستمرة خلال العقود التي بدأت عام 1970 بعد سيطرة الأسد الأب على السلطة، حيث استطاع وبنجاح أن يجعل السلطة السياسية جزء من البنية الاجتماعية ومتداخل مع عملية جعل الدولة والمجتمع قاعدة للسلطة وهو ما جعل من الصعب اختراق سورية بشكل عادي، وهذا الأمر يفسر بقاء السلطة أكثر من نصف قرن رغم الهزات القوية التي تعرضت لها.

– الثاني أن الانهيار للنظام السياسي هو مقدمة لغيام “المشروع السياسي” على المستوى الإقليمي، فسورية منذ عام 1970 مثلت حالة سياسية عازلة للقوى الإقليمية التي كانت تتصارع على مشاريع إقليمية متعددة، ابتداء من حلف بغداد وانتهاء بالاتفاقات الابراهيمية التي أدخلت دول الخليج بعلاقات مع “إسرائيل”.

مثلت حقبة الأسد (الأب والابن) القوة الجيوسياسية للمنطقة عبر جعل دمشق نقطة التقاء المشاريع السياسية لبناء توازن إقليمي، ومواجهة المشروع الإسرائيلي ولو بالحدود الدنيا، فدمشق استطاعت استيعاب حربي الخليج الأولى والثانية، واستطاعت سلطتها فرض توازنات حتى في أسوء لحظات الضعف طارحة “سيادة الدولة” على أسس شكلت صداعا دائما للعديد من القوى الدولية.

 

في منتصف الثمانينات وفي ذروة التورط الأمريكي في لبنان، ومع قصف المدمرة نيوجرسي لمناطق في لبنان واسقاط السوريين لطائرة أمريكية، استطاعت دمشق ضمان توازن دولي منع انهيار النظام الإقليمي بالكامل، وهذا الشكل من الدولة يستحق القراءة وليس الوقوف على سرديات الاستبداد والإشادة بـ”شبه دولة” لا يعرف أحد كيف ستحكم البنية المعقدة لهذه البلد.

You might also like