الشرق الأوسط الجديد والنظام العالمي الجديد – حبيب البستاني

حبيب البستاني*

مما لا شك فيه أن ما حدث في فنزويلا والعملية العسكرية الأميركية الواسعة النطاق التي أدت إلى اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو ليصار إلى محاكمته لاحقاً في نيويورك، وذلك بعد اتهامه من قبل الإدارة الأميركية بتهم تتعلق بالإرهاب والإتجار بالأسلحة وتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة، يشكل سابقة خطيرة رسمت قواعد وخطوط جديدة للتعاطي بين الولايات المتحدة وبقية دول العالم لا سيما تلك المناوأة لأميركا والتي لا تدور في الفلك الأميركي. ولقد جاءت هذه العملية تطبيقاً لعقيدة مونرو، هذه العقيدة التي أصبحت مبدأ تم إعلانه من قبل الرئيس الأميركي جيمس مونرو في العام 1823. وتقوم هذه العقيدة على منع الاستعمار الأوروبي الجديد آنذاك من التمدد إلى الأميركيتين، وأن اي محاولة للنيل من أية دولة أميركية مستقلة سيقابل بالقوة. لقد قامت الولايات المتحدة على مر العصور بتطبيق هذا المبدأ لا سيما لعدم المس أوالتغلغل إلى أية دولة من دول أميركا الجنوبية، وبعد انحسار الاستعمار الأوروبي كان للتغلغل الشيوعي والاشتراكي دوره الكبير في مختلف بلدان أميركا اللاتينية، ومن المعروف أن معظم دول أميركا اللاتينية هي إشتراكية الهوى والهوية، وأن شعوب هذه البلدان وبالرغم من حالتها الاقتصادية المزرية تدين بالولاء للفكر الشيوعي. 

من الحرب الباردة إلى القوة العسكرية
مع تعاظم القوة العسكرية الأميركية وتحولها إلى قوة عظمى ازداد طموح الولايات المتحدة التي باتت تنظر إلى كل دول أميركا اللاتينية كحديقة خلفية لها، ينبغي إخضاعها والجميع يذكر عملية حرب الخنازير التي استهدفت كوبا في العام 1961 وذلك في محاولة لقلب نظام فيديل كاسترو الشيوعي، هذه الحرب التي أدت إلى الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. وهنا لا بد من الإشارة إلى أزمة الصواريخ الكوبية بين روسيا وأميركا في العام 1962 والتي كادت أن تؤدي آنذاك إلى حرب نووية بين الجبارين. وقد أدت المواجهة الروسية الأميركية في حينه إلى تعادل سلبي بحيث تم سحب الصواريخ النووية من كوبا في مقابل سحب الصواريخ النووية الأميركية من القواعد التركية والإيطالية. يذكر أن هذه الحرب التي كادت أن تقع قد تم احتواءها من قبل الزعيم الروسي نيكيتا خروتشوف والرئيس الأميركي جون كينيدي والتي تعهدت بعدها الولايات المتحدة بعدم مهاجمة كوبا. أما اليوم فإن الأمور قد تغيرت فالاتحاد السوفييتي لم يعد موجوداً وتم تفكيكه إلى دول وأصبح بوتين الذي يتمتع بقوة عسكرية ضخمة  رئيسا لروسيا الاتحادية، وأصبحت الولايات المتحدة القوة الأعظم في العالم. وفيما كانت في الماضي تعتمد الأساليب البطيئة لقلب الأنظمة والسيطرة على دول أميركا اللاتينية باتت اليوم تستعمل القوة العسكرية المباشرة. وهنا نشير أنه وإبان الإطاحة برئيس الشيلي سالفادور أليندي في العام 1973  اعتمدت الولايات المتحدة مبدأ تجويع الشعب في التشيلي بحيث أصبح الإنقلاب الذي قاده الجنرال بينوشيه المدعوم أميركياً سهل التحقيق، وهنا نورد ما قاله في حينه أليندي الرئيس المحبوب ” بين كيلوغرام البطاطا والكم من العقائد فإن خيار الشعب واضح”. 

ترجمة سياسية للقوة العسكرية 
بعد النجاح المذهل الذي حققه ترامب في اقتياد مادورو لم يذهب الرئيس الأميركي إلى فرض شروطه الساسية كاملة، بل اختار نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز لتتولى المرحلة الانتقالية لحكم فنزويلا، بدلاً من اختيار زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو التي لا تتمتع بحيثية شعبية بحسب ترامب، إلا أن اختيار نائبة الرئيس جاء لإرضاء الكرملين الذي ابدى تأييده لها. كذلك فلقد أرسل الرئيس الأميركي برسالة حسن نية إلى الصين بقوله “يوجد نفط للجميع”، فما يريده ترامب  هو استعادة حقوق الشركات النفطية الأميركية التي تم تأميمها في العام  1976.

الشرق الأوسط الجديد يمر في خطة ترامب
يظن البعض أن عملية فنزويلا ستنعكس على الشرق الأوسط، بحيث تكمل أميركا عملياتها العسكرية إما مباشرة إما بواسطة إسرائيل وذلك بغية إخضاع المنطقة من لبنان وصولاً إلى الخليج الفارسي، حتى أن هذا البعض اعتبر نفسه شريكاً بالانتصار ونسي أن للولايات المتحدة أجنداتها الخاصة، فما يهم الرئيس الأميركي ليس الحرب من أجل الحرب إنما الحرب من أجل السلام وذلك كوسيلة مثلى لتحقيق أكبر قدر من المكاسب، من هنا يتضح أن منطقة الشرق الأوسط ولبنان ضمناً لا بد وأن تنعم بالسلام الذي وضعه الرئيس الأميركي نفسه، وما يصح بالكاريبي ليس بالضرورة أن يصح في لبنان، وأن الحديقة الخلفية للولايات المتحدة لا تتضمن بالتأكيد بلدان الشرق الأوسط.

كاتب سياسي*

You might also like