السدود في لبنان: الجريمة السياسية الموصوفة بحق الدولة والمواطن – رندا شمعون

في كل شتاء، يتكرّر المشهد : أمطار غزيرة تذهب بلا إدارة إلى البحر. وفي كل صيف، تتكرّر النتيجة : عطش، صهاريج، وآبار منهكة. هذا التناقض لم يعد يُفسَّر بالتغيّر المناخي بل بقرار سياسي واعٍ بإبقاء لبنان بلا أمن مائي، وبإدارة أزمة مقصودة تُبقي الدولة ضعيفة والمواطن رهينة.

العلم كان موجوداً… والمنظومة قرّرت التعطيل

على عكس ما روّجته الحملات الإعلامية الموجّهة، فإن مشاريع السدود في لبنان لم تكن مغامرات حزبية شعبوية بل شركات أوروبية وأجنبية متخصّصة أعدّت دراسات علمية وهيدرولوجية وجيولوجية متكاملة، ووضعت تصاميم تراعي طبيعة الأرض اللبنانية، وقدّمت حلولاً قابلة للتنفيذ وفق المعايير الدولية.

لكن ما تلا كشف حقيقة الدولة العميقة في لبنان: حين بلغ المشروع مرحلة التنفيذ، فُعّلت آليات التعطيل المنظّم، من التمويل إلى القرار السياسي، مروراً بالإعلام والشارع. لم يكن الهدف التصويب أو التصحيح، بل إسقاط المشروع كخيار وطني.

استهداف السدود كان استهدافاً سياسياً مباشراً

لم يكن ملف السدود ملفاً تقنياً بل تحوّل سريعاً إلى ساحة مواجهة سياسية. والسبب واضح: ارتباطه مباشرة بخيار إصلاحي حمله الوزير جبران باسيل، يقوم على بناء بنية تحتية سيادية للمياه والطاقة، تُخرج لبنان من منطق الاستجداء والفشل الدائم.

من هنا، تحوّل الملف إلى ساحة استهداف سياسي مباشر: إسقاط مشاريع السدود كإنجاز بنيوي محتمل، وتشويه خيار إصلاحي ، عبر شيطنة المشروع وربطه زوراً بالفساد، من دون تقديم أي بديل فعلي أو رؤية وطنية مقابلة.

واللافت أن القوى نفسها التي حملت لواء البيئة والشفافية، صمتت لعقود عن سرقة المياه الجوفية، وعن آلاف الآبار غير الشرعية، وعن الأنهار الملوّثة، وعن الهدر الحقيقي الذي لم يحرّك لها ساكناً.

بعد تسلّم القوات اللبنانية الوزارة: انكشاف السردية وحدود القرار

مع انتقال وزارة الطاقة والمياه إلى عهدة القوات اللبنانية، انكشف زيف السردية التي سُوّقت لسنوات حول «ملفات فساد» مزعومة خلال تولّي جبران باسيل ووزراء التيار الوطني الحر هذه الوزارة. لم يُفتح أي ملف موثّق، ولم تُسجَّل أي ملاحقة قضائية، ولم يظهر أي دليل واحد يبرّر حملات التخوين السابقة.

لكن الأهم من سقوط الادعاءات، هو ما تكشّف سياسيًا: الوزير لم يكن أمامه خيار إصلاحي حر، بل وُضع بين تنفيذ ما أُقرّ علمياً وتقنياً في ملف السدود، وبين الالتزام بالقرار السياسي للجهة التي أوصلته. فكان أن توقّف المسار، وبقي التعطيل سيّد الموقف.

هنا، لم تعد المسألة مسألة أسماء أو وزارات، بل مسألة قرار. قرار واضح بعدم استكمال مشروع استراتيجي، لأن قيام دولة في ملف المياه والطاقة يتناقض مع منطق المنظومة التي لا تعيش إلا على الأزمات.

المستفيد الحقيقي: مافيات المولدات والمازوت

السدود لم تكن تهديداً سياسياً فقط، بل تهديداً مباشراً لمصالح مالية ضخمة. فالسدود تعني طاقة كهرومائية نظيفة، مستدامة، ورخيصة. وتعني تقليصاً تدريجياً لاقتصاد المولدات، والمازوت، والصهاريج، وكل شبكات الربح التي ازدهرت على حساب انهيار الدولة.

هنا يتكشّف التلاقي بين السياسة والمال والإعلام: مصالح تتغذّى من العتمة والعطش، وتعتبر الأزمة موردها الأساسي، لا مأساة وطنية تستوجب الحل.

الإعلام: من الرقابة إلى الشراكة في التعطيل

في هذا الملف، لم يكن الإعلام في موقع المراقب أو المحاسب، بل تحوّل، في جزء كبير منه، إلى شريك فعلي في التعطيل. عناوين شعبوية، تقارير مجتزأة، تضخيم انتقائي للأخطاء، وتجاهل متعمّد للوقائع العلمية والدراسات الموثّقة.

هكذا صُنعت رواية بديلة عن الحقيقة، تُجرّم المشروع بدل محاسبة من عطّله.

أين المواطن اللبناني من كل هذا الملف ؟لماذا لم يطرح السؤال الجوهري يوماً: لماذا تُمنع أي خطة مائية شاملة؟ لماذا يُحارب أي مشروع طويل الأمد؟ ولماذا يُترك اللبناني رهينة الصهريج والمولد؟ لأن طرح هذه الأسئلة كان سيقود حتماً إلى كشف شبكة المصالح التي تتغذّى من العتمة والعطش، وهو ما لم يكن مسموحاً به.

ماذا خسر لبنان فعلياً؟

لو لم تُعرقل مشاريع السدود، لكان لبنان اليوم:

أقل عرضة للجفاف والتغيّر المناخي.

أكثر أمناً مائياً وزراعياً.

أقل ارتهاناً لمافيات المازوت.

أقرب إلى دولة قادرة، لا دولة عاجزة عن أبسط حقوق مواطنيها.

لكن المنظومة اختارت طريقاً آخر: هدر الأمطار، تعطيل المشاريع، وتعميم الفشل.

بالخلاصة ، سقطت الأكاذيب، وبَقيَت الحقيقة السياسية:

اليوم، وبعد تغيّر الوزراء وبقاء النتائج على حالها، سقطت الروايات وبقي الواقع. لم تُفتح ملفات، ولم تُكشف فضائح، لأن ما حورب لم يكن فساداً، بل مشروع دولة. وما استُهدف لم يكن وزارة، بل خيارًا سياديًا حاول أن ينتشل لبنان من اقتصاد العتمة والعطش.

السدود كانت و ما زالت : معركة بين من يريد دولة تخزّن مياهها وتنتج طاقتها، ومن يريد دولة مستباحة، عاجزة، تعيش على الأزمات وتقتات منها.

ملف أمن قومي ، شُوّه، و عُطّل ، لأن قيام دولة في لبنان أخطر على المنظومة من أي شعار سيادي.
ملف شاهد على مرحلة حاولوا فيها كسر مشروع الدولة… وفشلوا في كسر الحقيقة.

فالدولة التي يُمنع عنها تنفيذ مشاريعها الاستراتيجية، ليست دولة فاشلة… بل دولة مُفشَلة عمدًا.

رندا شمعون

You might also like