الديار: هل تُجرى الانتخابات في موعدها أم يطغى التأجيل؟

الديار: دوللي بشعلاني-

أعاد التعميم الأخير الصادر عن وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجّار خلط الأوراق السياسية والقانونية، مع تحديده المهل المتعلّقة بالترشيح والانسحاب منه، وتسجيل اللوائح للانتخابات النيابية العامة لعام 2026، في وقت لا يزال فيه قانون الانتخاب النافذ موضع خلاف سياسي حاد، وسط غياب أي توافق على تعديله أو استبداله، ما يطرح سؤالا جوهريا: هل هذه المهل الانتخابية تُحدّد موعد الانتخابات بشكل نهائي؟ أم تبقى مجرد إطار إداري قابل للتجميد حتى يتحقّق التوافق السياسي والتشريعي؟

في ظلّ قانون متنازع عليه وآليات ناقصة، تواصل الساعة الدستورية العدّ العكسي، فيما تواجه القوى السياسية اختبارًا صعبًا بين الالتزام بالقانون الحالي أو السعي لتأجيل الاستحقاق.

 

وفق التعميم، تبدأ مهلة تقديم تصاريح الترشيح لدى وزارة الداخلية – المديرية العامة للشؤون السياسية واللاجئين، اعتبارا من صباح الثلاثاء 10 شباط 2026، (أي الثلاثاء المقبل)، وتستمر حتى الساعة 24:00 من يوم الثلاثاء 10 آذار 2026. كما تنتهي مهلة الرجوع عن الترشيح عند الساعة 24:00 من يوم الأربعاء 25 آذار 2026، استنادا إلى أحكام المادة 51 من قانون الانتخاب رقم 44/2017، التي تتيح للمرشح التراجع عن ترشيحه قبل 45 يوماً على الأقل من موعد إجراء الانتخابات. أمّا تسجيل اللوائح الانتخابية، فيجب أن يتمّ قبل 40 يوما من موعد الاقتراع، على أن تنتهي المهلة في 30 آذار 2026، مع إلغاء طلبات المرشحين الذين لم ينتظموا ضمن لوائح.

 

ماذا تعني هذه المهل قانونيا؟ تجيب مصادر خبيرة دستوريا، أنّ هذه المهل ليست تفصيلًا إداريا، بل جزء من البنية الإلزامية لقانون الانتخاب النافذ. فإطلاقها يعني عمليا أنّ السلطة التنفيذية تتصرّف على أساس أنّ القانون الحالي نافذ المفعول، وأنّ الاستحقاق قائم، إلى أن يثبت العكس بقرار تشريعي صريح.

 

ولهذا نجد أنّ بعض النوّاب قد بدأ بالإعلان (غير الرسمي) عن نيّته بالترشّح للانتخابات. كما بدأ الحديث عن التحالفات في اللوائح الانتخابية، وإن كان عدم اتخاذ القرار النهائي حتى الآن بشأن قانون الانتخابات، يُحبط بعض الشيء حماسة المرشحين والناخبين على حدّ سواء.

 

وتشير المصادر القانونية إلى أنّ فتح وزارة الداخلية باب الترشيحات وتحديد المهل القانونية، لا يُشكّل بحدّ ذاته حسماً لإجراء الانتخابات في موعدها، بل يندرج ضمن الالتزام الإداري بتطبيق القانون النافذ ما لم يصدر تشريع جديد يعلّقه أو يعدّله.

 

وتُميّز هنا المصادر بين واجب السلطة التنفيذية في إنفاذ النصوص القائمة، وصلاحية مجلس النواب في تعديل المهل أو إقرار تأجيل تقني بقانون واضح، مؤكّدةً أنّ هذه المهل تبقى نافذة حكماً إلى حين تدخّل السلطة التشريعية.

 

وفي هذا السياق، تحذّر المصادر من أنّ استكمال المسار الانتخابي ثم تجميده أو العبث بمهله، من دون سند تشريعي واضح، قد يعرّض العملية برمّتها لإشكاليات دستورية جدّية، ويُعيد فتح باب الطعون المحتملة أمام المجلس الدستوري، إذا جرى المساس بمبدأ المساواة بين المرشحين والناخبين وبسلامة الإجراءات.

 

في المقابل، يؤكّد بعض الخبراء القانونيين أنّ فتح المهل لا يُقفل الباب أمام التأجيل التقني، ما دام مجلس النواب يمتلك صلاحية تعديل المهل أو تعليقها بقانون، شرط أن يتمّ ذلك قبل اكتمال المسار الانتخابي.

 

وبالتالي، فإنّ هذه المهل تكون نافذة حُكمًا ما لم يصدر قانون جديد، لكنها لا تُلزم البرلمان بإجراء الانتخابات، إذا قرّر التأجيل لأسباب تقنية أو سياسية. وتكمن الإشكالية الأساسية، بحسب المصادر القانونية، في أنّ وزارة الداخلية ملزمة بتطبيق القانون النافذ، ولا تملك صلاحية تفسير النيّات السياسية أو انتظار التوافقات.

من هنا، فإنّ تحديد المهل هو إجراء طبيعي يحمي الاستحقاق من الفراغ، لكنه في الوقت نفسه يضع القوى السياسية أمام اختبار جدّي: إمّا المضي في الانتخابات ضمن القانون الحالي، وإن كان هذا الأخير لا يُرضي طموحاتها أو لا يتناسب مع حساباتها الانتخابية، أو تحمّل مسؤولية تعديله أو تأجيل الانتخابات رسميا، لأسباب تقنية أو غيرها من شهرين إلى مدّة أقصاها 6 أشهر، قبل أن يبدأ المرشحون بتقديم تصاريح الترشّح ، وبدفع الرسم المحدّد لذلك بمبلغ 8 ملايين ليرة لبنانية، وبتشكيل اللوائح.

 

هذا ويزيد من تعقيد المشهد، عقدة غير محلولة حتى الآن، على ما تلفت المصادر القانونية، هي اقتراع المغتربين. وقد سبق وأنّ حدّد الوزير الحجّار مواعيد انتخابهم في دول الانتشار في 1 أيّار المقبل للبنانيين غير المقيمين، في 6 دول عربية هي: السعودية، قطر، الكويت، سلطنة عُمان، البحرين مصر، فضلًا عن إيران. وفي 3 أيّار في 42 دولة من ضمنها 40 دولة غربية وأوروبية وأفريقية، إلى جانب الإمارات العربية وتركيا، وذلك في ظل استمرار الخلاف حول آلية انتخاب ستة نوّاب للمغتربين، كما ينص القانون الحالي، مقابل مطالبات سياسية بإلغاء هذا البند، ودمج أصوات الخارج في انتخاب الـ128 نائبا.

 

وتحديد مواعيد اقتراع المغتربين من دون حسم هذا الخلاف، على ما تذكر المصادر، يُبقي العملية الانتخابية عرضة للاهتزاز، إذ لا يمكن لوزارة الداخلية أن تبتكر آلية غير منصوص عليها في القانون، في حين أنّ أي تعديل في هذا الشقّ ، يحتاج إلى قانون واضح وصريح قبل بدء المهل النهائية.

 

ولا تقلّ خطورة عن ذلك، بعض الثُغر العملية والتقنية واللوجستية، مثل مسألة غياب البطاقة الممغنطة والميغاسنتر، على ما تُضيف المصادر، خصوصا في ظلّ تهجير آلاف المواطنين من القرى الجنوبية بفعل الحرب الأخيرة والاعتداءات “الإسرائيلية” المتواصلة. وتشير المصادر إلى أنّ القانون الحالي لا يوفّر حلولا استثنائية لهؤلاء، ما يجعل مشاركتهم في الاقتراع مقيّدة عمليا، ويطرح إشكالية جدّية حول مبدأ المساواة بين الناخبين.

في الخلاصة، تقول المصادر القانونية، إنّ المهل التي حدّدها وزير الداخلية تعكس التزامًا شكلياً بالقانون النافذ، لكنها لا تحسم مصير الانتخابات. فالحسم يبقى سياسيا وتشريعيا بامتياز، في ظلّ قانون متنازع عليه، وآليات ناقصة، وواقع أمني واجتماعي ضاغط، واقتراح جدّي في مجلس النوّاب بالتمديد لمدّة سنّة، في ظلّ الحديث عن عودة أكثر من 95 نائبا حاليا إلى المجلس النيابي الجديد ، وبين إدارة الاستحقاق وتأجيله.

You might also like