الحكومة أولًا أم التدقيق الجنائي؟ (د.جيرار ديب)

ذكر البطريرك بشارة الراعي في عظته نهار الأحد 11 نيسان 2021، بأنّ الفعل الإيجابي هو لتأليف الحكومة من دون لفّ ودوران. كما ووجّه سهامه نحو رئاسة الجمهورية بقوله إنّ جديّة طرح التدقيق الجنائي هي بشموليته المتوازية لا بانتقائيته المقصودة. وختم قائلًا أن لا تدقيق جنائيًا قبل تأليف الحكومة. 
 
واضح وصريح كلام البطريرك في عظته، فقد أتى متناغمًا مع أفرقاء الداخل، لاسيما مع ردّ الرئيس المكلف سعد الحريري على كلام الرئيس ميشال عون، حول ضرورة السير في مشروع التدقيق الجنائي حتى لو لم تشكل الحكومة. كما وتوافق مع مدير قسم الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي جهاد أزعور، الذي دعا إلى تشكيل الحكومة في لبنان، قبل كل شيء، وقد ذكر أزعور إلى وكالة فرانس برس “أنه في غياب تأليف حكومة لبنان من الصعب جدًا علينا تقديم أي شيء غير المساعدة الفنية”.
 
على ما يبدو، الأمور تجنح نحو الصدام بين الموقعين المارونيين الأعليين في الشرق والعالم، فقد أعلن رئيس الجمهورية في كلمته المتلفزة الأخيرة، أنّ الأولوية تكمن في السير في التدقيق الجنائي، لأنّه الوحيد القادر على محاكاة مخاوف اللبنانيين على مصير ودائعهم، والكشف عن مَن سرق وهدر المال العام، وأوصل لبنان إلى حالة الفقر المدقع، وأرزحه تحت دين عام فاق المئة مليار دولار. كما ومن جهة ثانية، يحاكي المجتمع الدولي، وتحديدًا صندوق النقد الدولي الذي ينتظر إصلاحات جديّة وحقيقية، كي يقدم على تقديم يد العون والمساعدة عبر القروض الميسّرة للبنان، كي يتمّ إنقاذه من الهاوية التي يتخبّط بها.
 
كلام رئيس الجمهورية استند إلى نقطتين، الأولى في مدى تخوّفه من نوايا الأفرقاء الآخرين، الذين عاثوا فسادًا على مدى ثلاثين عامًا، وها هم اليوم يعملون على تطيير التدقيق الجنائي عبر إفشال المفاوضات مع شركة التدقيق الجنائي الدولي “ألفاريز أند مارسال”. هذا ما لمسه رئيس البلاد، إذ تؤكد أوساط متابعة أن هناك إتفاق ضمني، وتوزيع أدوار بين حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، ووزير المالية غازي وزني، لتطيير التدقيق، سيما وأنّ كليهما ينتميان إلى ذات السياسة التي عملت لسنوات بانسجام تام في حكم البلاد، ماليًا ونقديًا.
 
أمّا النقطة الثانية، فإنّ الرئيس عون والمقربين منه، باتوا يدركون أنّ من سمّى الرئيس المكلف سعد الحريري، والحريري نفسه، يعملون على إفشال وضرب العهد وما تبقى منه، قاطعين الطريق على أي طموح رئاسي للوزير جبران باسيل، الصهر المقرب من الرئيس. لذا، يسارع الرئيس في طرحه التدقيق الجنائي أمام الرأي العام، واعتماد سياسة التسمية المباشرة، لتعريتهم أمام الجميع، وأخذهم على التراجع في موضوع وضع العراقيل أمام تشكيل الحكومة.
 
لكن بمقابل أولوية رئيس البلاد في طرحه السير في التدقيق أولًا، نجد أنّ للفريق الآخر المعارض رأيًا مختلفًا، يتمثّل في تمسّكه بتشكيل الحكومة أولًا، باعتباره أنّ المبادرة الفرنسية المدعومة دوليًا وعربيًا، تهدف لأن يخطو لبنان الخطوة الأولى الصحيحة وهي تشكيل الحكومة ذات الطابع التكنوقراطي كي تكسب ثقةً محلية ودولية، وتنطلق بالإصلاحات الجدية، وعندها يتمّ الدفع نحو تطبيق التحقيق الجنائي. وثانيًا، يعمل هذا الفريق للإلتفاف على الرئيس عون، والحشد داخليًا ودوليًا ضدّ موقفه، ما يدفع به مكرهًا للقبول بالشروط التي يضعها الحريري لتشكيل حكومته.
 
بين ما يجب أن يكون أولًا، هل هو تشكيل الحكومة أم السير بالتدقيق الجنائي، يدور الجدل اليوم في لبنان ويتعمّق الخلاف ويتوسع، ويطفو على السطح. فعلى ما يبدو أصبح الخوف عند اللبناني، أن لا تكون تلك المعضلة شبيهة بالمعضلة التاريخية التي شغلت بال المفكرين على مدى عصور وإلى اليوم، “البيضة أولًا أم الدجاجة؟”. فعلى هذه المعضلة يعيش لبنان، ولمن الأولوية، لتأليف الحكومة أم لتحقيق التدقيق الجنائي، يسير اللبناني متخوفًا من مصيره الذي على ما يبدو قد دخل في نفق الإنتظار والإفلاس السياسي والاقتصادي، نحو مستقبل بات مجهولًا. 
 
أخيرًا، يدرك اللبناني جيدًا الواقع المأزوم في لبنان، ومردّه إلى الصراعات في المنطقة، حيث الداخل قبل الخارج، يترقّب عن كثب ما ستؤول إليه المفاوضات غير المباشرة بين إيران وأميركا على الملف النووي. لذا، قد تطول عملية التشكيل، وتطير معها عملية التدقيق، لأنّ أي فشل في الإتفاق النووي قد يضع المنطقة في سيناريو حرب شرسة، عندها سيُدخل حزب الله حكمًا لبنان في أتون الحرب، وعندها لن ينفع التفكير أيهما أولًا الحكومة أم التدقيق الجنائي؟!

You might also like