حبيب البستاني- أسبوعاً بعد أسبوع وبنجاح منقطع النظير يعرض على خشبة مسرح البرلمان المسرحية الهزلية “إنتخاب رئيس”. ومن موعد إلى آخر يتبارى “كل مين إيدو إلو” بعرض عضلاته ووصلاته الفكاهية التي لا تضحك أحداً إلا أصحابها، فالثنائي المرح متناسياً انتمائه إلى أكبر حزب مسيحي زمن سبعينيات القرن الماضي، يلقي بمداخلات أشبه إلى النكات ليتلقى بهدلات رئيس المجلس وقهقهات النواب، وكركوزات التغيير ليسوا أحسن حالاً من الثنائي فهم يعتقدون أنه بمداخلاتهم الاستعراضية يستطيعون تغيير الأعراف الدستورية وأصول اللعبة التي تعتمد على ضوابط لها أصولها، وكلهم يفعلون ذلك بحجة إيجاد مخارج دستورية لانتخابات رئاسيىة تتحكم فيها السياسة أكثر مما يتحكم فيها الدستور.
وبالموازات مع ما يجري داخل القاعة العامة للمجلس، لا تزال حركة القوى الضاغطة التي تنحصر بإلقاء المواعظ التي تشبه إلى حد بعيد عظة الجبل التي تنادي بالخير علَ الناس تسمع، وتنادي بالابتعاد عن المنكر عسى يتعظ السامعون. ولكن الناس كل الناس لا تملك شيئاً لناحية التاثير بانتخاب رئيس، فالناس تستمع وكما حالة الجموع خارج أسوار الفاتيكان وداخل ساحة القديس بطرس تنتظر الدخان الأبيض، ولا تمل من وضع الأيادي على الصدور.
مرتا مرتا المطلوب واحد
الكل يريد رئيساً وهم محقون بذلك وأهل الربط والحل يريدون رئيساً هذا إذا صدقت النوايا، والنواب كل النواب يريدون انتخاب رئيس صنع في لبنان، هذا بالرغم من ارتباطات البعض الخارجية والذين يخضعون بالكامل لمشيئة أسيادهم الجدد. ولكننا وإظهاراً لحسن النية فإننا نريد أن نصدق كل هؤلاء، ولكن الطريقة التي يسيرون عليها لا ولن تؤدي إلى انتخاب رئيس في المدى المنظور، فالجميع مشغول بأمور كثيرة بينما المطلوب واحد. فقبل أن ننتخب رئيس يجب على الجميع أن يعي أن طرقهم الملتوية لن توصل إلى روما. وهكذا فإن طرح رئيس تحدٍ بالنسبة للبعض لن يصل إلى أي مكان، فالمرشح ميشال معوض لا يقبضه أحد حتى الذين طرحوا اسمه والذين يعلنون في اكثر من مناسبة عدم تمسكهم به والاستعداد للبحث في أي إسم آخر. أما طرح سليمان فرنجية للرئاسة وذلك بدعم من الرئيس بري ومحاولات لجلب جنبلاط إلى هذا المحور فيه أكثر من تحدٍ، فإذا كان بري وجنبلاط هم مؤثرون لانتخاب الرئيس ولكنهم بالتأكيد لم يعودوا من صناع الرئيس، وقد تبين ذلك من خلال انتخابات العام 2016 حيث عارض جنبلاط وبري وصول ميشال عون إلى سدة الرئاسة إلا أن ذلك لم يحل دون وصوله إلى بعبدا.
من يصنع الرئيس؟
إنه من المسلم به أن الثنائي الماروني التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية هم من يصنعون الرئيس، فإذا حصل تفاهم بينهما كما حصل في اتفاق معراب، فإن مسألة انتخاب الرئيس تصبح حاصلة في خلال أيام، وإذا كان صحيحاً أن الثنائي الشيعي له كلمته في الانتخاب وكذلك النواب السنة والدروز ولكنهم لا يستطيعون معارضة التفاهم “المسيحي” بين مزدوجين على الرئيس. وكذلك فإن تعذر حصول التفاهم بين الثنائي المسيحي فإن مجرد حصول أي منهما، مرشح التيار أو مرشح القوات، على دعم الأفرقاء المسيحيين الآخرين فإن ذلك من شأنه تسهيل انتخاب الرئيس.
وهكذا مع بروز فيتو معلن من القوات والتيار ضد فرنجيه، وبروز فيتو من التيار والثنائي الشيعي على مرشح القوات، فإن ذلك يعني أن مرشح التيار الوطني الحر سيحظى بالأرجحية في حال حصوله على الحد الأدنى من الالتفاف المسيحي والوطني.
إن انتخاب رئيس للجمهورية لا بد أن يحترم موازين القوى في المجلس النيابي، وإنه من غير الممكن ان يتم انتخاب رئيس لا يمتلك حيثية مسيحية ومن ثم حيثية وطنية. فإلى متى الاستمرار في المسرحية؟ وإلى متى يستمر بعض الفرقاء في إخفاء رأسه في الرمال معتقداً أن الناس لن تراه؟. لقد بات واضحاً أن طريق القصر سالكة ولكن ذلك دونه عقبات وعوائق داخلية تتمثل بلعبة شد الحبال وخارجية تتعلق بلعبة المصالح.


