التيار الوطني الحرّ صوت صارخ ضد مغتصبي السلطة!

جان بو شعيا –
 
منذ عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر، بدأت مرحلة جديدة أعادت إحياء القضية الفلسطينية وبدأ الحديث عن تغيير وجه المنطقة تغييرًا جذريًا، وقد أنهى هذا الحدث البحث الجدّي لإيجاد مخرج لانتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية، فأضحى هذا الاستحقاق مرهونًا بنتائج حرب غزّة وما ستؤول إليه الأوضاع في المنطقة.
 
بديهيّ أن يقف اللبنانيون إلى جانب إخوتهم في غزّة ويتضامنون مع شعبها العزّل إزاء الوحشية الإسرائيلية، ولكن من البديهي أيضًا ألا يتحوّل لبنان إلى  منصّة للمشاركة في حرب لا شأن له بها، فيدفع أثمانًا باهظة كما لو أنّه لا تكفيه المشاكل الإجتماعية والإقتصادية والسياسية التي تُثقل كاهل أبنائه الذين يسعون ليل نهار لاكتساب لقمة عيش كريمة لهم ولأولادهم.
 
في ظلّ هذه الأوضاع، راحت المقاومة تدافع بجرأة وحكمة عن لبنان وتدفع من دماء خيرة شبابها في حين أنّ رئيس الحكومة غير الشرعية استغلّ الواقع وراح يمعن في ضرب الدستور عبر الدعوة إلى جلسات حكومية ببنود عادية وغير ضرورية كما لو كان رئيس الجمهورية موجودًا، وعبر إصدار المراسيم وتوقيعها منفردًا وكأنّه الرئيس الفعلي للبلاد، وعبر التمديد للقادة الأمنيين غير آبه بأصحاب الحقّ من الضباط البواسل، وعبر تعيين رئيس للأركان دون الأخذ بعين الاعتبار رأي الوزير المختصّ، وعبر صرف مكافآت لموظّفين في القطاع العام، وعبر ردّ قوانين أُقرّت في المجلس النيابي، وعبر تعيين موظّفين من طائفة واحدة ضاربًا بعرض الحائط الشراكة التي قام عليها لبنان والتي نصّ عليها دستوره، وغيرها العديد من المخالفات المعلنة وغير المعلنة.
 
مَن يعرف الميقاتي يدرك خلفية تصرّفاته الطائفية ومجازره بحقّ الدستور، واعتباره الشعب اللبناني أداةً لتراكم ثروته وتحقيق مصالحه الخاصّة وتنفيذ أجندات مشغّليه، ولكن ما يبدو مستغرَبًا هو الغطاء الذي يؤمَّن له لتنفيذ غاياته من رئيس لمجلس يمثّل الشعب المنكَّل به، أو من مرشَّح لرئاسة مستباحة، أو من مقاومة هدفها الدفاع عن لبنان واللبنانيين، أو من ذمّيين ينفّذون ما يأمرهم به أسيادهم السفراء خوفًا على خسارة مبالغ تأتيهم لتغطية مصاريفهم الشهرية، أو من إعلام مأجور جنّد كلّ طاقاته البشرية وسخّر كلّ طاقاته التقنية للدفاع عن المنظومة، علّة وجوده أو بقائه، لتجريم الصالح وتبرئة الطالح. إنّها حقًّا عصفورية في بلد تحوّل إلى مزرعة وانتفت منه كلّ صفات الدولة.
 
في هذا الجو المظلم يبقى “الصوت الصارخ في البرية”، صوت التيار الوطني الحرّ الذي لا يترك مناسبة إلّا وينبّه من خطورة هذه التجاوزات، ويرفع البطاقة الحمراء في وجه مغتصبي السلطة بهدف وقف النزف في الدولة وفرملة الإمعان بضرب الدستور والميثاق، واستعادة التوازن والشراكة حسب الأعراف التي أعطت لبنان ميزته وهويته. فالإطلالة التلفزيونية الأخيرة للرئيس المؤسّس فخامة العماد ميشال عون وضعت النقاط على الحروف، وقد استتبعها رئيس التيار الوطني الحرّ بمؤتمر صحفي أوضح فيه علانية موقف التيار من كلّ الأمور الميدانية في الجنوب المقاوم وغزّة الجريحة متضامنًا مع أهلها، مثنيًا على جرأة المقاومة وحكمة سيّدها مثمّنًا تضحياتها، رافضًا توسيع الحرب إلى لبنان، محتفظًا بحقّ الدفاع عن النفس، كما أعلن موقف التيار إزاء التنكيل بالدستور داعيًا النواب إلى الإمضاء على العريضة لتقديم شكوى أمام مجلس محاكمة الرؤساء والوزراء ضدّ كلّ مَن خالف الدستور.
 
يظنّ البعض أنّ هدف هذه التصريحات هو إنهاء ودفن اتّفاق مار مخايل بعد أن أفاد منه التيار لتحقيق تكتّل نيابي كبير أو وصول إلى رئاسة الجمهورية، ويذهب البعض الآخر للإعتقاد أنّها نتيجة تقهقر في القاعدة الشعبية للتيار، ويحلّل بعض الجهابذة أنّ مواقف رئيس التيار هي شخصانية بحتة لتحقيق مكاسب سياسية أو سلطوية. فهؤلاء جميعهم يجهلون تاريخ هذا التيار ونضال مؤسّسه ووطنية رئيسه. فالقصّة ليست فكًّا لتحالف دام 18 سنة في حين أنّ التيار الوطني الحرّ يكاد يكون الحزب اللبناني الوحيد الذي يعتمد سياسة الانفتاح على جميع الأطراف ويدعو إلى الحوار والشراكة الحقيقية والفعلية. وليست القصّة عددًا لنواب وحجمًا لتكتّل، فكما أخذ هذا التيار نوابًا في تحالفاته فهو أعطى بدوره نوابًا وحجمٌا لحلفائه. أمّا الرهان على ضعف شعبية التيار، فهؤلاء لم يتعلّموا أنّ هذا التيار لا يُهزَم لأنّه خرج من رحم معاناة الشعب، وهو كالشجرة التي كلّما شذّبت غصونها كلّما زادت عطاءً ونوعية. ومَن يعتقد أنّ الوزير باسيل ينتهج سياسة ويتّخذ مواقف تخدم مصالحه الخاصّة، فهو لا يعرف هذا الرجل الذي لا تغريه أموال ومناصب ولا يرهبه تهديد ووعيد ولا تثنيه شائعات وتنمّر.

تاريخ التيار الوطني الحرّ تاريخ نضال دائم ومستميت في سبيل وطن سيّد، حرّ ومستقلّ، أسّسه رجل صلب، عنيد، جبل، منارة هذا الشرق بوفائه وشرفه وتضحيته، رجل قبل أن يواجه العالم بأكمله ولكنّه لم يُعطِ توقيعه. فمتى يستفيق الشعب ويلتفّ من جديد حوله ليستعيد دولة سرقها السماسرة والذميين والعملاء المأجورين؟ لا نستعيدها بالسلاح المدمّر والقاتل ولا بالثورة الكاذبة ولا بالشائعات المغرضة، بل بسلاح القانون والدستور والانفتاح على الآخر والحوار والشراكة الفعلية. عندها فقط نستحقّ بلدًا اسمه لبنان ولقبًا عنوانه “شعب لبنان العظيم”.

 

 

 

You might also like