غسان سعود –
أنهت السلطات السويسرية تحقيقات بدأتها في حزيران 2020 حول أنشطة حزب الله في سويسرا، بناء على طلب نيابي لحظر الحزب وإدراجه على لوائح المنظمات الإرهابية. التقرير – التحقيق خلص إلى أن حزب الله «قليل النشاط في سويسرا، ولا يتحرك ضمن الجالية اللبنانية لجمع الأموال»، و«في ظل الأوضاع الأمنية الحالية، يبقى تقييم الخطر الإرهابي الذي يمكن أن يشكله الحزب على سويسرا متدنياً». وأشار التقرير في توصياته إلى أن حظر الحزب ونشاطه «قد يؤثر من ناحية على النشاط الديبلوماسي السويسري، ويعطي انطباعاً سيئاً عن سويسرا، وينال من صدقيتها سويسرا كدولة محايدة». كما أن فرض الحظر يشجّع الأنشطة السرية ما يجعل عمل الجهات الأمنية أكثر صعوبة، مشيراً إلى أن دولاً قليلة حول العالم (بينها خمس أوروبية هي ليتوانيا وإستونيا وهولندا وجمهورية التشيك وألمانيا) حظرت الحزب وأنشطته. وعليه، خلافاً لما كانت تأمله إسرائيل وخصوم الحزب في الداخل اللبناني والخارج، «لا ينوي المجلس الفيدرالي اتخاذ أي تدابير إضافية» بحق حزب الله، مكتفياً باللجوء إلى «السبل القانونية المتاحة لمتابعة أي نشاط غير مشروع قد يقدم عليه أفراد على ارتباط» بالحزب. التقرير السويسريّ الذي تنشره «الأخبار» يبين فهماً سويسرياً عقلانياً للحزب أكثر بكثير من أفرقاء داخليين وخارجيين، ويقدم مادة جذابة بتفاصيلها الكثيرة
في الدورة الصيفية للبرلمان السويسري، عام 2020، قدّم عضوا المجلس الوطني ماريان بيندر كيلر وغيرهارد فيستر طلباً إلى المجلس الفيدرالي لتقديم تقرير مفصل حول أنشطة حزب الله في سويسرا، مع التركيز على الأسئلة التالية:
1- هل تراقب هيئات الحماية التابعة للدولة أفراداً أو مؤسسات تنتمي إلى حزب الله؟
2- هل يمكن، في إطار إجراءات مكافحة غسيل الأموال، إثبات ما إذا كان الحزب يجمع المال في سويسرا أو يملك حسابات فيها؟
3- هل لدى الحزب اتصال بمنظمات إسلامية أخرى في سويسرا؟
4- كيف تضمن سويسرا أن الأفراد والمنظمات التي حظرت ألمانيا أنشطتها لن تتابع هذه الأنشطة على الأراضي السويسرية؟
5- هل لا يزال ممكناً التمييز بين الفرع «السياسي» للحزب وفرعه «العسكري» بعدما أدرجته ألمانيا على قائمة الحظر؟
وتضمّن الطلب أن يدرس المجلس الفيدرالي إمكان إدراج «ميليشيات الحزب على قائمة الإرهابيين ومنعها من القيام بأي نشاط على أراضينا».
التقرير الطويل الذي تضمن خلاصة التحقيقات التي أجرتها السلطات السويسرية استجابة لهذا الطلب، بدأ من الشرح الإبتدائي بشأن «الانقسام التاريخي» بين السنة والشيعة، وتطويرهما «مناهج متمايزة جزئياً للممارسة الدينية وتنظيم المجتمع»، انعكست لاحقاً في «خصومات بين الدول كما بين السعودية وإيران». وأشار إلى عدم أخذ النظام اللبناني في الاعتبار التغيرات الديموغرافية ما أدى إلى تفاقم في نقص التمثيل السياسي للمكوّن الشيعي وتدهور وضعه الاقتصادي قبيل الحرب». مما ساهم في «(…) دفع العديد من الشيعة إلى اعتبار أن المنظمات القائمة على الانتماء الديني فقط هي القادرة على حماية مجتمعهم».
وبعد عرض تفصيلي لتنامي الجماعات الدينية والنزوح الشيعي من البقاع والجنوب إلى الضاحية الجنوبية، شرح التقرير عن «ظهور إشارات» إلى حزب الله عام 1983، والإعلان عن «ميثاق التنظيم الأول» عام 1985، متوقفاً عند ثلاثة أبعاد لهذه «الحركة السياسية»:
– بُعد أيديولوجي يتبنى الحزب بموجبه رؤيته لـ «مجتمع إسلامي» يتعارض مع عدد من القيم الغربية المزعومة.
– بُعد «فوق الوطني» يتمثل بروابط الحركة العابرة للحدود اللبنانية نحو المجتمعات الشيعية في كل مكان آخر.
– بُعد وطني يتمثل بمطالبة الحزب بمكانة عادلة له وللمجتمع الشيعي في الفضاء السياسي والاقتصادي والثقافي الوطني اللبناني.
ويشير التقرير إلى أن تاريخ الطائفة الشيعية يمثل عامل حاسم في فهم دعم جزء كبير منها لحزب الله، حيث ينظر إليه أكثر حتى من حركة أمل – الحليف المنافس – بوصفه صاحب الفضل الأكبر في التحسين الاجتماعي والاقتصادي لهذا المجتمع، فضلاً عن ثقله السياسي. لتخلص مقدمة التقرير إلى أن خطاب الحزب تطور على مدى أربعين سنة بشكل ملحوظ، كما تطورت أهدافه السياسية، لكن موقفه من إسرائيل – التي يعتبر وجودها غير شرعي – لم يتغير. مع التأكيد بأن الحزب «أقل ارتباطاً من الأطراف الأخرى، في المنظور اللبناني، بالثراء الشخصي. وقد تطور من المطالبة بإنشاء جمهورية إسلامية على النموذج الإيراني عام 1985 إلى الحديث عن بناء دولة لبنانية علمانية حديثة عام 2009»، مع ثباته على «القتال ضد إسرائيل والولايات المتحدة». ويسجل التقرير في مقدمته تشجيع الحزب، رغم الخطاب العلماني، التغيير الثقافي في المناطق التي يسيطر عليها، وحجزه مساعدات اجتماعية جدية لمؤيديه المخلصين.
نظر بعض المسيحيين إلى التدخل العسكري في سوريا بشكل إيجابي بعدما اعتبروا التهديد الجهادي خطراً على مجتمعهم.
التقرير تطرّق إلى إنشاء الحزب مؤسسات خيرية «جيدة التنظيم». وإدارته الناجحة للمستشفيات والمؤسسات المالية والمدارس. وتوسيعه نطاق مساعداته الاجتماعية من الحبوب إلى المازوت مروراً بالغذاء، منذ بداية الأزمة الاقتصادية عام 2019، واستحداثه مخازن وصيدليات تبيع منتجات إيرانية وسورية رخيصة، يمكن للأشخاص الفقراء بشكل خاص الحصول من هذه المخازن على مواد غذائية باستخدام بطاقة مسبقة الدفع صادرة عن الحزب تتم تعبئتها بانتظام. أما جمعية الحزب غير الربحية المسماة «القرض الحسن» فتستمر، رغم العقوبات الأميركية عليها منذ عام 2007، في تقديم قروض صغيرة من دون فوائد بالدولار الأميركي، في وقت تمتنع المصارف التجارية اللبنانية عن إعادة الودائع بالدولار. وعلى عكس الأحزاب الأخرى، يدفع الحزب رواتب مقاتليه وموظفيه في المؤسسات الخيرية بالدولار.


