اتفاق الأكثرية ممكن للخروج من المراوحة! -نقولا الشدراوي

يواصل التيار الوطني الحر مساره التاريخي في المبادرة والتفاهم، خصوصاً تجاه الخصوم أو المنافسين السياسيين، لإعادة رص الصفوف إزاء التطورات الإقليمية العسكرية والديبلوماسية القائمة في المنطقة والقادمة إليها.

فقد بات واضحاً للجميع اليوم ، وهو كذلك منذ زمن لدى قيادة التيار ، أن الحل في لبنان لا يمكن إلا أن يأتي من الداخل اللبناني مهما كانت المساعي الخارجية والوساطات والضغوطات .

وقد آن الأوان لكي يقتنع الجميع أنْ لا بد من التوافق الداخلي وصولاً إلى تسوية ترضي أكثرية الأطراف ، إن لم يكن جميعها، درءاً لخطر بات مطروحاً لدى الجهات الإقليمية والدولية ، ألا وهو تلزيم لبنان إلى إحدى الدول العربية بحيث تكون وصيةً عليه بعدما تبيّن أن اللبنانيين عاجزون عن حكم أنفسهم بأنفسهم ، منذ العام 2005 ، تاريخ انسحاب الجيش السوري من الأراضي اللبنانية ، خصوصاً عند استحقاقات تداول السلطة فيه ، أكان لدى انتخابات رئاسة الجمهورية أم في تشكيل الحكومات ، وقد أصبح انحلال الدولة جراء ذلك يشكل خطراً أمنياً وجيوسياسياً على الأمن والاستقرار النسبي في الإقليم .

فانحلال مؤسسات الدولة من جهة ، ومن جهة أخرى استفراد فريق لبناني واحد بالتدخل العسكري خارج لبنان، يشكل ، بنظر الخارج ، سبباً كافياً لوضع حد له عبر وصاية جديدة أو وصاية قديمة مجددة قد تكون هي أحد أسباب إعادة العلاقات الديبلوماسية بين سوريا وبعض الدول العربية وإعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية برغم العقوبات الدولية عليها.

فقد كان للعرب تجربة ناجحة بذلك في الماضي القريب ، إذ كانوا مرتاحين من الهم اللبناني برغم أن اللبنانيين أنفسهم لم يكونوا كذلك ، وهذا ما يشكل سبباً إضافياً للبنانيين كي يتعظوا من تجارب الماضي ويكفّوا عن كافة أنواع النكد والدلع والإهمال السياسي ، ويبدأوا بتحمّل مسؤولية بلدهم بجديّة ، لأنهم أثبتوا حتى الآن عدم كفاءتهم بإدارة شؤون وطنهم عندما تُتاح لهم الفرصة لذلك .

منذ ما قبل الإستقلال في العام 1943، إلى ما بعده ، لم يكن جبل لبنان ومن ثم لبنان الكبير حرّاً سيداً مستقلاً ، كما كان يأمل المواطنون اللبنانيون الأحرار، فمن احتلال عثماني ونفوذ أوروبي إلى انتداب فرنسي ونفوذ بريطاني إلى استقلال صوَري عن الشرق والغرب وصولاً إلى عصر عبد الناصر ثم زمن عرفات وقوات الردع الأسدية وعدوان العدو الإسرائيلي وما تلا ذلك من تلزيم أو انتداب أميركي سعودي مشترك لسوريا على لبنان استمر خلال الحرب ( 1975-1990)وبعدها من اتفاق الطائف عام 1990 حتى العام 2005 تاريخ انسحاب الجيش السوري من لبنان.

صحيح أن استقلال كل بلدان العالم هو استقلال نسبي ، لكن تدخل الدول واستخباراتها والسفارات وسفرائها في شؤون لبنان الداخلية ليس له مثيل في كل دول العالم .

قد يكون الإستثناء الوحيد لهذا المسار حصل ، عندما بادر سعد الحريري لترشيح سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية في نوفمبر 2015 ، ما سرّع المصالحة بين التيار الوطني الحر وحزب القوات اللبنانية وأوصل إلى ان يدعم سمير جعجع ترشيح الجنرال ميشال عون للرئاسة في كانون الثاني 2016 ، الأمر الذي أدّى بعد أشهر قليلة إلى قبول الرئيس سعد الحريري بترشيح عون إثر المصالحة بين تيارَي المستقبل والوطني الحر ما أوصل الحريري إلى رئاسة الحكومة و عون إلى رئاسة الجمهورية في أوكتوبر 2016 .
حينها اضطرت الدول ، العربية والأجنبية ، لتقبل ما حصل والتكيّف معه ، إلى أن عادت الخلافات الداخلية وأدَت إلى تحريض القوات والكتائب للمملكة السعودية على الرئيس سعد الحريري.

في المحصلة
عندما يتفق اللبنانيون يحصل الإستقرار السياسي والاقتصادي وتتولد مناعة تجاه تدخلات الخارج
وعندما يختلفون يختلّ التوازن وتنشأ الثغرات التي يدخل منها الخارج لتعميق الخلاف والإمعان في اللعب على التناقضات من أجل زعزعة الاستقرار.

ألا يستأهل لبنان منا أن نبادر كلبنانيين لجمع قوانا العسكرية والاقتصادية والسياسية والفكرية والعلمية ونتوحّد من أجل المصلحة الوطنية العليا؟
وفي حال كان الإجماع مستحيلاً فإن اتفاق أكثرية الفرقاء ممكن ، لا بل لا مفرّ منه للخروج من مرحلة المراوحة الحالية .

كاتب سياسي

You might also like