أنطوان الأسمر-
تفرض التطوّرات الأخيرة على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية نفسها بوصفها نقطة تحوّل في مشهد الصراع، بعد تداخل حدثين مترابطين: المناورات العسكرية الواسعة التي أجراها الجيش الإسرائيلي في الجليل الشرقي، والرسائل الدولية المتزايدة التي تحذّر من اشتعال الجبهة الشمالية خلال الأسابيع المقبلة. وفي حين تتحرك كلّ من تل أبيب والعواصم الغربية وفق إيقاع سريع، يجد لبنان نفسه أمام مرحلة دقيقة تُعاد فيها صياغة الحسابات الميدانية والسياسية على حدّ سواء.
تأتي المناورات في الجليل الشرقي كترجمة مباشرة لمقاربة إسرائيلية تعتبر أن المواجهة مع حزب الله باتت تتطلّب استعداداً متعدد الطبقات: عمل استخباراتي، عمليات دقيقة، وسيناريوهات برّية وجويّة قابلة للتنفيذ السريع. لكن ما يميّز هذه المناورات عن سابقاتها ليس حجمها فقط، بل هدفها السياسي الواضح: انتزاع المبادرة من حزب الله وإظهار قدرة الجيش على التحرك الهجومي عند الحاجة.
فمنذ العملية التي استهدفت القائد العسكري في حزب الله هيثم الطبطبائي، تحاول إسرائيل تثبيت فكرة أن قدراتها الاستخباراتية تعمّقت بشكل لافت، وأن اغتيالاً بهذا الحجم ليس حادثة منفصلة بل حلقة ضمن رؤية أشمل لإعادة رسم حدود الردع. لذلك انصبت المناورات على محاكاة معارك تمتد من تسلل مجموعات نخبوية إلى داخل المستوطنات، إلى التعامل مع صواريخ دقيقة ومسيّرات، مروراً بتفعيل غرف عمليات مشتركة بين سلاح الجو والاستخبارات ووحدات المناورة البرية.
يوحي هذا التركيب بمحاولة إنتاج صورة جيش قادر على خوض مواجهة متزامنة: حماية الحدود، تنفيذ عمليات مركزة، وإدارة تصعيد مُحكم من دون الانجرار إلى حرب شاملة إلا عند الضرورة. وهو بذلك يمارس ضغطاً نفسياً على حزب الله من جهة، ويمنح القيادة السياسية في تل أبيب ورقة تفاوضية إضافية في أي نقاش حول ترتيبات ما بعد التوتر.
تعاني المستوطنات الشمالية من أزمة ثقة حقيقية بالمنظومة الأمنية منذ خريف 2023، وتكرار عمليات الإخلاء وما رافقه من دمار معنوي واقتصادي جعل أي حكومة إسرائيلية أمام تحدٍّ مزدوج: طمأنة الجمهور واستعادة الصورة الردعية معاً. لذلك تُقدَّم المناورات للجمهور الإسرائيلي كمؤشر لقدرة المؤسسة العسكرية على حماية الجبهة الشمالية، في محاولة لتهيئة بيئة شعبية أكثر قابلية لتبني أي قرار ميداني، سواء باتجاه التهدئة أو التصعيد.
ومع ذلك، يدرك الجيش أن هذه الصورة ليست كافية وحدها، وأن استعادة السكان إلى الشمال تتطلب ترتيبات سياسية وأمنية دقيقة، وهو ما يجعل المناورات، رغم ضخامتها، جزءاً من مسار أطول وليس نهاية بحدّ ذاتها.
في لبنان، تُقرأ المناورات والاغتيالات بطريقة مختلفة جذرياً. فهي بالنسبة لحزب الله ليست مجرد رسائل عسكرية، بل اختبار لحدود صبره وقدرته على إبقاء الاشتباك مضبوطاً. وفي المقابل، تعي إسرائيل أن أي رد كبير للحزب سيشعل مواجهة واسعة يصعب احتواؤها.
هنا يكمن جوهر اللحظة الراهنة: ميزان دقيق جداً، أي خطأ في التقدير من الطرفين قد يفتح الباب أمام حرب أكثر اتساعاً ودماراً من حرب ٢٠٢٤.
تزامناً مع المناورات، تتدفّق رسائل سلبية من عواصم كبرى تعكس قلقاً من تحوّل الحدود اللبنانية إلى نقطة الاشتعال الرئيسية في المرحلة المقبلة. فالتقارير الغربية المتداولة تتحدث عن استعدادات استباقية تقوم بها تل أبيب تحسباً لأي تبدّل إقليمي، إضافة إلى مراجعات جدية لخطط إجلاء رعايا دول غربية من لبنان.
هذا النوع من الإجراءات، حتى لو بقي في إطار الخطط، يُعدّ إشارة عالية الدقة في علم الدبلوماسية: البيئة الأمنية لم تعد مستقرة، واحتمال الانفجار لم يعد هامشياً. وتشير بعض الأوساط الأوروبية إلى أن المخاوف لم تعد مرتبطة بالتصعيد فقط، بل أيضاً بانعكاساته على الداخل اللبناني الهشّ اقتصادياً ومؤسساتياً.
وفي الأسابيع الأخيرة، شهد لبنان حركة وفود دبلوماسية – أمنية تكاد تكون يومية، تحمل رسائل تحذيرية واضحة: العالم غير مستعد لاحتواء حرب لبنانية جديدة، لا إنسانياً ولا مالياً ولا سياسياً. وتخشى هذه الدول، تحديداً الأوروبية، من سيناريوهات خطيرة: نزوح واسع جديد، انهيار نقدي إضافي، وتعطل سلاسل الإمداد في بلد يعاني أساساً من ضعف القدرة الاستيعابية.
حتى المؤسسات الأممية باتت تتحدث عن “احتمال مرتفع” للتصعيد، وهي لغة قلّما تُستخدم عادة إلا في المراحل الحسّاسة جداً، ما يعكس أن الوضع ليس ظرفياً، بل نتيجة تراكم مؤشرات متزامنة تُظهر أن الجبهة الشمالية تقف على حافة مرحلة جديدة.
يُظهر ترابط المناورات الإسرائيلية، الاغتيالات، والتحذيرات الدولية أن المنطقة تقف على أعتاب منعطف. إسرائيل تحاول إعادة صياغة ميزان الردع، والمجتمع الدولي يخشى من انفجار غير قابل للاحتواء، وحزب الله يوازن بين الرد وحماية خطوط الاشتباك.
وهكذا يدخل لبنان كانون الأول محمّلاً بعوامل توتر نادرة في تزامنها: تصعيد ميداني محسوب، قلق دولي متعاظم، وضع اقتصادي هش، ومشهد سياسي لا يمتلك أدوات كافية للتخفيف من حدّة الانفجار المحتمل.
المرحلة المقبلة مفتوحة على سباق بين الوقت والعقلانية سيحدد ما إذا كان لبنان مقبلاً على انفراج ديبلوماسي، أم على واحد من أكثر الفصول تكلفة منذ عقود.


