في مواجهة هذه التحولات الديموغرافية السريعة فان التحدي الأساسي اليوم، وبعد انقضاء فترة 90 سنة على التعداد السكاني الأول، يتمثل في معرفة أعداد السكان المقيمين في لبنان ويعيشون على أرضه، من جنسيات متنوعة، لبنانيين وغير لبنانيين، وبخاصة بالنسبة للهجرات غير الشرعية من العمال العرب والأجانب وعدد المكتومين من الأطفال وعديمي الجنسية..
• يعيش في لبنان اليوم (كما ذكرنا سابقاً)، نحو ثمانية ملايين ساكن، بحيث أن نحو نصف المقيمين على الأراضي اللبنانية هم من غير اللبنانيين، فهو مخيّم كبير يضم النازحين السوريين، بالإضافة إلى اللاجئين الفلسطينيين، والعراقيين، وغيرهم من العمال العرب والأجانب، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من عديمي الجنسية والمكتومين والأطفال من أمهات لبنانيات بدون جنسية (إقامة مجاملة)..
• يتبيّن بحسب تقديرات شعبة السكان في الامم المتحدة، بناءً على توقعات أحدث بيانات عام2020، فقد بلغ عدد سكان لبنان نحو 6،825،910 نسمة، لقد كانت هناك موجات عنف وهجرات عديدة في البلاد، حيث هاجر أكثر من 1.5 مليون شخص من لبنان بين عامي 1975 و 2011. في المقابل كان يستضيف لبنان ما يقرب من مليوني لاجئ وطالب لجوء، ولا سيما من فلسطين والعراق وسوريا.
• أما بحسب تقديرات البنك الدولي عام 2015، فقد بلغ عدد الأجانب الذين يقيمون في لبنان، من غير المولودين فيه، ويشمل العدد أيضا اللاجئين فيه، هو 1.997.776 نسمة..
ويمكن من خلال قراءة الخرائط الديموغرافية وتحليل البيانات السكانية المتوفرة الأخيرة التوصل الى الاستنتاجات الآتية:
• خلال سنوات الحرب اللبنانية 1975-1990، تصدعت البنية السكانية في لبنان بين موجات الهجرة المغادرة والتهجير السكاني في الداخل وتناقص الولادات، وحدثت تحوّلات ديموغرافية عميقة.. لكن لبنان تمكن من النجاة بعد أكثر من عشر سنوات بفضل اعتماده على تدفقات رأس المال وتحويلات الاغتراب اللبناني الذي أنقذ لبنان.
• اما خلال سنوات الأزمة الاقتصادية الأخيرة 2019-2023، فقد تغيّرت معالم الخريطة الديموغرافية إذ أصبح لبنان الأول في العالم من حيث تناقص عدد سكانه، نتيجة تهجير الشباب وانخفاض الخصوبة وتفكك الأسرة وتراجع عدد الولادات دون مستوى الاحلال.. كما بات لبنان أول دولة في المنطقة العربية تدخل مرحلة الشيخوخة، حيث يتناقص عدد الاطفال ويتزايد عدد المسنين..
• لقد أدت التحولات الديموغرافية الى تغيير عميق في التركيب السكاني، نجم عنه نشوء خطوط صدع بارزة في البنية السكانية الضعيفة، ولأول مرة في تاريخ لبنان تبرز التباينات المناطقية على أشدها بين الوحدات الادارية، وتتكوّن مناطق ضعف بارزة في الخريطة الديموغرافية، وهي تعتبر بمثابة مؤشرات سكانية حمراء، نتيجة الفراغ الحاصل في تناقص الأطفال وهجرة قوة العمل وبخاصة الشباب وتزايد عدد المسنين.
• بينما بالمقابل تتكاثر أعداد الولادات بين النازحين واللاجئين المقيمين على الاراضي اللبنانية منذ عدة سنوات، ومعظمهم من النساء والأطفال، كما تتزايد أعداد المكتومين وغير المجنسين، وغير اللبنانيين وبخاصة من الشباب العاملين في مختلف المجالات الاقتصادية.. حتى اصبح لبنان أكبر بلد مضيف بالنسبة للاجئين والنازحين بالمقارنة مع عدد سكانه…حيث بات عددهم يناهز قرابة نصف سكان لبنان.
هل سيتحوّل لبنان الى بلد لاجئين؟
• نتيجة اعتماد السياسات الفاشلة في الحكم، يسعى المجتمع الدولي اليوم من خلال الدعم المالي لتثبيت النزوح السوري ودمج اللاجئين، حيث ترتفع سنوياً أعباء وتكلفة اقامة النازحين والتي باتت طيلة 12 سنة متواصلة، تفوق ال 50 مليار دولار، وهي توازي أكثر من عشرة أضعاف المساعدات الدولية ..
• وفي غياب الأرقام والاحصاءات حول أعداد اللاجئين والنازحين وتوزيعاتهم، ومتابعة حركة الدخول والخروج الى الاراضي اللبنانية، وفي غياب سياسة سكانية واضحة للتعامل مع ملف النازحين وعدم تنفيذ لبنان ما طلبه مجلس الأمن الدولي عام 2013، حول: انشاء مؤسسات فاعلة لإدارة ملف النزوح ومواجهة تداعيات الأزمة.. فقد بات واضحاً أن هناك خطة ممنهجة واضحة المعالم، تتم بدعم وحماية المجتمع الدولي، وتنفذها الهيئات الدولية العاملة على الأرض تحت عنوان «دمج النازحين» في التعليم والصحة والعمل ورعاية الأطفال، وكافة مفاصل المجتمع اللبناني لمساعدتهم، ومنعهم من العودة الى المناطق الآمنة في سوريا، وهي توازي استعادة التجربة المعتمدة في ادارة ملف اللاجئين الفلسطينيين من خلال التوطين القائم على الاراضي اللبنانية منذ 74 سنة.. مما سيؤدي الى تغيير عميق في تركيب البنية السكانية المتصدّعة..
• وبرغم أزماته المتعددة الأبعاد، تستمر الضغوط الدولية على لبنان، حيث يتم تأجيج الصراعات الداخلية واستغلال حاجة القيادات اللبنانية الضعيفة والمتناحرة الى غطاء دولي يحميها…مما يسهل ويسرع عملية تثبيت التغيير الديموغرافي الواسع من خلال اغراق لبنان في مزيد من الفوضى والمزيد من الانهيار…لجهة اختلال التوازن وتعديل الصيغة اللبنانية المتنوعة القائمة بين الطوائف.. مما سيؤدي خلال السنوات القادمة الى تغيير بارز بين المكوّنات السكانية، حيث تؤكد التوقعات المستقبلية أن السنوات القليلة القادمة سوف تغير وجه لبنان.
هذا المقال هو مقتطفات من دراسة قيّمة وكبيرة خص بها الدكتور علي فاعور موقع Tayyar.org، وقدمها في “مركز تموز للدراسات والتكوين على المواطنية “، في إطار ورشة تفكير ونقاش بعنوان: «لبنان والهجرة بين الأمس واليوم» وذلك يوم السبت في 25 شباط 2023..في جبيل القاعة 1188 للمحاضرات…
والدكتور علي فاعور هو أستاذ الجغرافيا وعميد كلية الاداب في الجامعة اللبنانية سابقاً، عضو المجلس الوطني للبحوث العلمية، رئيس مركز السكان والتنمية.

