كتبت كلوديت سركيس في النهار:
بات القضاء أشبه بمكفوف اليد بحكم انتظار مدى تلقف السلطة السياسية نداءه الذي عبّر عنه بيان نادي قضاة لبنان، فيما يستمرّ وقف قاضي التحقيق العدلي طارق بيطار تحقيقاته بحكم القانون في انتظار بت طلبات النقل والردّ والمخاصمة، المتوقفة بدورها عن البتّ بسبب توقف عمل الهيئة العامة لمحكمة التمييز لعدم بت التشكيلات القضائية الجزئية المعادة من وزير المال على مجلس القضاء الأعلى عبر وزير العدل طلباً لتعديلها.
وقد تكون عودة القضاة الى مكاتبهم أقرب من عودة المحقق العدلي المكفوفة يده موقتاً عن استئناف عمله في ملفّ المرفأ منذ كانون الأول الماضي بانتظار بت سائر الطلبات العالقة وعددها 17 طلباً من أصل 38 طلباً رُفض 21 منها.
عندما عُيّن محققاً عدلياً تفرّغ القاضي بيطار لعمله في ملفّ المرفأ متابعاً نهج ما بدأه سلفه القاضي فادي صوان الذي اعتبر أن القضاء صاحب الصلاحية في ملاحقة كل مشتبه فيه من مدنيين وعسكريين ومسؤولين سياسيين سابقين وقضاة بجرم الإهمال القصدي وعدم التعامل مع كمّية نيترات الأمونيوم التي كانت موجودة في المرفأ، وكذلك الإهمال بالنسبة الى الآخرين لجهة عملية التلحيم وحصول الانفجار. وللتمكن من متابعة النظر في هذه القضية الكبرى انصرف القاضي بيطار عن ترؤسه إحدى غرفتي محكمة الجنايات في بيروت. وبتجميد الطلبات المتنوّعة مهمّته في ملف المرفأ منذ حوالى ثمانية أشهر يكاد يمرّ ثلثا العام بعد أيام قليلة والقاضي بيطار في عزلة عن عمله. ترى كيف تمرّ الساعات والأيام التي طالت لأشهر التزاماً منه بالقانون حيث لم يخطر ببال المشرّع سدّ ثغرات أظهرتها التجربة من خلال حفنة من النصوص القانونية المعمول بها. هو، في أيّ حال، يصرف الوقت على عادته في المطالعة في صفحات القانون في انتظار العودة لاستنئاف عمله القضائي حيث شغلت وقته وبصره وبصيرته ملفات المحاكم وقراءة أوراقها وإصدار المحكمة التي يترأسها قراراتها في مقابل انصرافه الى تعزيز العقل القانوني المستدام على مدى 23 عاماً بعد تخرّجه من معهد الدروس القضائية وكان من طلائع دورته، بحسب عارفيه. هذه الناحية تشغل الحيّز الأكبر من اهتماماته اليوم إلى جانب الشأن العائلي والرابط العائلي الأكبر الذي يجمعه ببلدته عيدمون المنقطع عن زيارتها منذ فترة. تلك البلدة الجميلة بموقعها وطبيعتها الخلابة، وهو الطابع المشترك بين سائر البلدات العكارية.
من نتائج السنة الأولى في الحقوق بتفوّق تحمّس القاضي بيطار لهذا الاختصاص ولا سيّما للمجال الجزائي منه، وتابعه في الأعوام التالية وحصد معدلات 17/20، وهي نسبة مميّزة، لأن الأمر يتوقف على الكتاب والجهد الشخصي من دون تمكنه من الإفادة من المنحة الجامعية التي حازها لدخوله المعهد القضائي. وفي انتظار عودته وبمرور الوقت من الطبيعي أن ينبري المرء خلاله الى تغذية شغفه في المجال القانوني والبحث العلمي القانوني لأن هذا الصنف من الخلق وجد ليغرف ويتعمّق في القراءات لمفكّرين وباحثين قانونيين محليين أمثال القاضي الراحل عاطف النقيب وأحكام لقضاة كبار على غرار تلك الصادرة عن القاضي جوزف سماحة المتأثر بنتاجه الفكري القانوني المكتنز على مدى مسيرته القضائية، مذ كان القاضي سماحة رئيساً لمحكمة الاستئناف في الشمال والمحقق العدلي قاضياً منفرداً في عدليتها. ويعتبره القاضي بيطار، وفق هؤلاء، قدوة في الرصانة والعلم الجزائي والتعليل والاجتهاد والمنطق القضائي المبنيّ على الوقائع والحجّة والدليل. ويؤكد العارفون أن لا وقت ضائعاً للقاضي بيطار في منفاه القسري وباب منزله الموصد لأن العمل القضائي دقيق وحسّاس جداً ويلزم الابتعاد، فكيف الحال في ملف المرفأ الذي يفرض ذلك حتى إنهائه.

