ما يحدث في صفوف “الثورة” اليوم من تضعضع وتناحر واتهامات متبادلة هو نتيجة حتمية ومتوقعة لمسيرة بدأت خاطئة واستمرت في اخطائها بالرغم من ان الفرص لم تنقصها لتصحيحها.
في ١٧ تشرين ٢.١٩ ، انعقدت آمال كثيرة على ما شابه انتفاضة شعبية عارمة خارجة عن القيود الطائفية والمناطقية والزعاماتية. آلاف من الشباب نزلت الى الساحات لتوقها الى كسر قيد النظام البالي ، فشباب لبنان مثقف، فخور بتاريخه وبوطنه ومنفتح على الثقافات والحضارات ويرنو الى تغيير مصيره المفروض عليه.
حتى ان رئيس البلاد العماد ميشال عون كان اول من بادر الى مدّ اليد الى هؤلاء الشباب طالباً منهم الثبات في ثورتهم وهو بحاجة لها كي يفرض تغيير المعادلات كون صلاحياته لا تسمح له بذلك من قلب النظام.
ولكن سريعاً ما ظهرت ملامح التمويل الخارجي لهذه المظاهرات والتي حوّرت الشعارات وحوّلتها باتجاهات سياسية محددة. وسريعاً ايضاً ما ظهر “المتسلقون ” من احزاب وجماعات فكانوا يلبسون ثياب الثورة نهاراً وبزّاتهم الميليشيوية الزيتية ليلاً. بالواقع هم ليسوا متسلّقي الثورة بل هم امها وابيها.
قلنا منذ البداية انه ما من ثورة في العالم نجحت بدون قيادة محددة وتنظيم واضح وخطة طريق؛ رفض بعض الصادقين، من القلائل الذين استمروا، تحت عذر ان القيادة ستظهر تباعاً. الا ان راسمي هذا الواقع ومسيّريه بالريموت كونترول قد قصدوا بالفعل هذه الفوضى العارمة في الشعارات وعلى مستوى القيادة حتى يسهل التحكم بمسارها ليس الا.
كان هدف “الثورة” الوصول الى الانتخابات وها قد جاء الاستحقاق ولوائح “الثوار” تتناحر وتتسابق في اجتراح الشعارات الفارغة من اي مضمون. والاسوأ انها تتسابق في الغباء المتمثل بتأكيد انها تتمول من الخارج عبر حملات اعلانية باهظة الثمن لا قدرة لمجموعة وحدها عليها في الظروف الحالية.
ان مشهد الفاجرات اللواتي غزون وزارة الطاقة الاسبوع الماضي وتباهين بكسر صورة رئيس البلاد وتمزيقها ليس الا تجسيداً لمسيرة هذه “الثورة” الفاسدة الحمقاء ، اذ أصرت هاتيك الفاسدات الفاجرات على توقيع “انجازهن” باسم “الثورة” وتناقل الصحفيون الخبر بغزارة مكررين اطلاق هذه التسمية بينما هن من المنخرطات في مجموعات حزبية معروفة تناصب العداء للرئيس ولفريقه.
لا شك ان الصورة اليوم باتت اكثر وضوحاً وبالرغم من المأساة الاقتصادية التي يعيشها لبنان فإن المواطن بات يعرف من عمل و يعمل لمصلحته ومن يبيعه الكلام، الا ان الاغلبية الصامتة، وإن عرفت حقيقة “الثوار” ومرشحيهم فهي قد تظل مترددة في خيارها وفي نقزتها وقد تؤثر الاحجام عن الاقتراع وهو خطر حقيقي على الديموقراطية وعلى مستقبل البلاد يجب العمل على تغييره.

