يتحرك الوضع اللبناني وفق مساراتٍ ثلاثة تتحكم به، تشهد تطورات دراماتيكية ومتسارعة.
ففي الشقّ الإجتماعي وهو ترجمة لتداعيات الإنهيار، توجهت الأنظار إلى مصرف لبنان حيث تجمع المتقاعدون واشتبكوا مع القوى الأمنية، في واحدة من أضخم التظاهرات أمام مخزن “الحاكم بأمر المال” المُحاصر قضائياً. هذا في الوقت التي تنهار فيه شبكة الإنترنت مهددة لبنان بالتوقف عن التواصل مع العالم، وسط تصاعد التساؤلات عما تريده منظومة التسعينات من قطاع الإتصالات وهو الذي وصف مرة بأنه “بيضة الذهب” للخزينة اللبنانية، واستُعيدَ إلى كنف الدولة بعد معارك ضارية.
وفي المسار الإقليمي، يزور وفدٌ قطري لبنان الأسبوع المقبل، في الوقت الذي تتصاعد فيه الأخبار عن مؤتمر يمهد لتسوية لبنانية، تتسابق عليه مراكز القوى الإقليمية الطامحة إلى دور الوساطة، ومن بينها مصر التي تتطلع إلى ترسيخ دورها في المشرق العربي. وفي هذا الإطار، أكّدت مصادر سياسية متابعة للوضع الإقليمي أن المسار السعودي – الإيراني هو الذي يبقى المحرّك الأساس لأي اتفاق في لبنان، لكنه ينتظر الترجمة العملية في لبنان، والتي لا شك ستتأخر إلى ما بعد القمة العربية في السعودية في آيار المقبل. وبالتالي تعتبِر هذه المصادر أن أدوار القوى “الوسيطة” كمصر وقطر التي كان لها تأثيرها في وساطة ترسيم الحدود، سيبقى محدوداً بالسقف الإيراني – السعودي، وترجماته المنتظرة.
هنا، تترسّخ الدينامية الداخلية كعنصر حاسم في الإفراج عن الحلول وتحديداً الرئاسية منها. فبرأي المتابعين أنَّ الإتجاه التسووي في الإقليم، والذي تلهث المنظومة لتوظيفه لصالح سليمان فرنجية، يقف أمام حاجز أدوار القوى اللبنانية، وفي طليعتها تلك الممثّلة للبيئة المسيحية التي تتوجس من إحياء معادلة “مخايل الضاهر أو الفوضى”، المدفونة سريعاً بعد لقاء بين العماد ميشال عون ورئيس “القوات” سمير جعجع ذات يوم من العام 1988.
ولا شك أن العيون الخارجية والداخلية، تراقب بدقة فشلين متتابعين للمنظومة في إدارة الوضع، من بدعة “التوقيت” إلى إعلان الوزير حمية التراجع عن صفقة المطار. المنظومة شرسة لكن قوتها محدودة بالتقاطع بين قوى متنوعة ضدها. وبالتالي، تَشخص العيون إلى خلوة بيت عنيا الأربعاء المقبل، والتي تشكّل رسالة سياسية بالغة الرمزية والقوة، على الرغم من الطابع الروحي لها.

