بعد اندلاع الحرب في قطاع غزة وفي الجنوب اللبناني، إثرَ عملية “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين الأول الماضي، برزت أهمية مواقف التيار الوطني الحر في بُعدها الوطني العابر للطوائف وفي بُعدها الإقليمي المؤيّد للقضية الفلسطينية ولحق الشعب الفلسطيني في المقاومة على أرضه وفي إقامة دولته على هذه الأرض، تمهيداً لعودة اللاجئين إليها، لكن في موازاة الحفاظ على المصلحة الوطنية اللبنانية وعدم انزلاق لبنان إلى الحرب.
فبعد أن أعاد التيار الوطني الحر التوازن إلى الشراكة الوطنية في الداخل، آن الأوان لكي ينظرَ إليه شُركاؤه في الوطن نظرةً أخرى، وأن يعيد النظر هو في نظرته إليهم، آن الأوان، خاصةً في ظل الحرب الدائرة اليوم في غزة والجنوب، لكي ننظرَ جميعنا إلى الخارج، نظرةً واحدة كلبنانيين، فندرك مَن هو العدو ومَن هو الصديق على مستوى المصلحة اللبنانية العليا، أي المصلحة الإستراتيجية، التي تشمل المصالح السياسية والإقتصادية والأمنية للبنان الوطن أولاً قبل أي شيء آخر.
فأين تكمن المصلحة الجيو استراتيجية للبنان، القائم وسط الصراعات والتجاذبات والحروب الإقليمية والدولية؟ خصوصاً أنه مُستهدف لكونه في قلب تلك الصراعات جغرافياً، ولأن لديه قوة فعلية على أرض الواقع ذات بعد إقليمي يُحسب لها الحساب، ولو أنها لا تنال إجماع كل اللبنانيين، إنما هي موجودة ولها تأثيرها المحلي والإقليمي البارز.
إنطلاقاً من الجغرافيا الحالية الواقعية، ومن دون الدخول في بحث غير مُجدي عن أصل تلك الجغرافيا وكيف رُسِّمت حدودُها، نجد أن لبنان يقع بين بلدَين، قد يتساءل بعض اللبنانيين أيهما العدو وأيهما الصديق، فيما أكثريتهم تعتبر إسرائيل عدوّةً وسوريا صديقة، وأقلية منهم تعتبر العكس، ولو بشكل ضمني وغير مُعلن، أي أن سوريا هي العدو وإسرائيل هي الصديق الوضعي، فأين تكمن المصلحة اللبنانية العليا؟
أولاً : في تكوين لبنان المتنوّع:
وذلك ليس فقط طائفياً ومذهبيّاً، إنما كذلك من حيث تعدّد جنسيّات المقيمين على أرضه، جرّاء أزمات وحروب حصلت على أرض الدول المحيطة به :
١- في فلسطين عام 1948 و 1967، وأدّت إلى التهجير القسري للشعب الفلسطيني الذي ما كان ليتمّ، لولا الإغتصاب الإسرائيلي لأرض فلسطين بتواطؤ دولي.
٢- في سوريا عام 2011-2012، وأدّت إلى موجات من النزوح الذي، ولو أنه تم كنتيجة طبيعية للحرب، إلا أنه ما كان ليستمرّ ويدوم 12 عاماً حتى اليوم، لولا التواطؤ الغربي والحصار والعقوبات على سوريا بعد فشل هذا الغرب في استغلال ما سُمّي بال ” ثورة” لإحداث تغيير استراتيجي في تموضع سوريا ضمن التحالفات الإقليمية والدولية، وذلك خدمةً لإسرائيل ولحلفاء الغرب الآخرين في الإقليم.
إذن، التغيير الديموغرافي الحاصل في لبنان سببه المباشر هو وجود الكيان الإسرائيلي على حدوده، ومخططات حلفائه الغربيين ضد سوريا.
من ناحية أخرى، يأتي التنوّع اللبناني المتعدد الطوائف والمذاهب كنقيضٍ صارخ لعنصرية الدولة الصهيونية ذات الدين الواحد، التي سعت، تاريخيّاً، منذ نشأتها، لبث الفتن الطائفية والمذهبية في النموذج اللبناني، تمهيداً لتقسيم لبنان إلى كانتونات طائفية تحمي حدود إسرائيل وتبرر وجودها كدولة أحادية الطائفة والدين.
ثانياً: في الجغرافيا والتاريخ
نحن كلبنانيين مع نهائية الوطن اللبناني، ومع التمسك بالحدود المعترف بها دولياً وضد إعادة النظر بها، إنما للبنان مصلحة أكيدة في التعاون والتكامل الإقتصادي الإقليمي بين دول المشرق العربي على غرار مجلس التعاون الخليجي، مع الحفاظ على الخاصية السيادية لكل دولة.
بعد توضيح هذه النقطة، لا بد من النظر إلى الخريطة موضوعياً ورؤية تطويق أو احتضان الجغرافيا السورية للجغرافيا اللبنانية، مع الطموح السوري تاريخياً لضم “محافظة لبنان إلى القُطر السوري” منذ ما قبل استقلال البلدين عن الإنتداب الفرنسي. هذا الطموح الذي تغير وتحول بعد الإستقلال إلى سياسة احتواء حيناً، وتدخّل مباشر أحياناً، في الشؤون اللبنانية سياسياً وأمنياً وعسكرياً، مع رفض قيام علاقات دبلوماسية بين بيروت ودمشق إلا بعد اضطرار الجيش السوري للانسحاب من لبنان في العام 2005.
هذا التدخل في الشؤون اللبنانية الداخلية لم ينتهِ إلا بقرار ذاتي من الرئيس السوري بشار الأسد، مترافقاً مع دعم حزب الله والسيد حسن نصرالله له ولسوريا في الحرب الكونية التي تعرضت لها في وجودها وتموضعها ونظامها بدءاً من عام 2012، ولا تزال، عبر الحصار والعقوبات الإقتصادية، إثر الفشل العسكري.
ثم أن وجود المقاومة والسيد حسن نصرالله شخصياً، بطبيعة العلاقات مع سوريا، هما ما يساهمان في عدم حصول تدخل سوري، مباشر أو غير مباشر، في الشؤون اللبنانية إن كان على المستوى السياسي أو الأمني. كذلك إن وجود المقاومة اللبنانية، هو ما يمنع أيضاً تدخل الفصائل الفلسطينية المتواجدة في أكثر من موقع ومخيم على الأراضي اللبنانية، في الشؤون الداخلية للبنان، سياسياً وأمنياً وعسكرياً.
ثالثاً: في الإقتصاد
في بعض الخلاصات: لا اقتصادَ لبنانياً مزدهراً إلا بالتنسيق مع سوريا وعبر الأراضي السورية.
ولا تصديرَ مُربحاً ومُجدياً للمنتجات الزراعية والصناعية اللبنانية وللبضاعة التي تمرّ ترانزيت إلى دول الخليج ودول المشرق العربي إلا عبر العبور في البر السوري.
لا انهيار اقتصادياً ولا إفلاس مصرفياً كان ليحصل في لبنان عام 2019 لو لم تقع الحرب في سوريا عام 2012 وتُقفل بسببها كل ممرات التصدير البريّة وينزح جرّاءَها ملايين السوريين إلى لبنان الذي استُهدف، عن قصد، مخابراتياً وإعلامياً، كي يحدث فيه ما حدث من “ثورة” و إقفال طرقات لكي يحصل الإنهيار، بهدف استكمال الحصار على الدولة السورية.
إن لبنان وسوريا وفلسطين مرتبطون ومتكاملون في التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والأمن والسياسة، شاء من شاء وأبى من أبى، وقد علّمتنا الأيام، بما فيها من تجارب وحروب ونزاعات بين فئات البشر، وبما فيها من اختلاف وتنوّع داخل الشعب الواحد، وبرغم الضرر الشخصي والجماعي الذي قد أصاب بعضنا كلبنانيين، خاصة في فترة الحرب، ألا نفقد بوصلة العدالة والحق والحقيقة والمصلحة الوطنية العليا.
فإذا أراد لبنان واللبنانيون السلام والإستقرار الداخليين، وتحقيق مصلحتهم الذاتية الكيانية أولاً، علينا أن نكون، قلباً وقالباً :
أولاً، مع الشعب الفلسطيني في نضاله ومقاومته ومع قيام الدولة الفلسطينية وحق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم.
ثانياً، مع الدولة السورية وفك الحصار والعقوبات عنها وعن شعبها ومع إعادة إعمارها وعودة النازحين إليها.
هنا يكمن جوهر القضية، وجوهر سياسة التيار الوطني الحر، إن في التفاهم مع حزب المقاومة على حماية لبنان من الخطر الإسرائيلي، أو في المصالحة وتوطيد العلاقة مع الدولة السورية بعد انسحاب جيشها عام 2005 على قاعدة احترام سيادة لبنان، لأن هذين الموقفين هما في أساس المصلحة الوطنية اللبنانية العليا، وليسا في مصلحة التيار السياسية والإنتخابية.
هذا هو المسار الوطني السليم وهذا هو الخيار اللبناني الصحيح، وإذا لم يتعلم اللبنانيون من تجاربهم السابقة، خصوصاً المسيحيون منهم، وهم المُستَهدفون بالتدجين الإعلامي منذ الإنتخابات النيابية عام 2005، لتحوير تأييدهم الكاسح للتيار حينها وبعدها. وإذا لم يدركوا جوهر الحقيقة، ومكمن المصلحة اللبنانية الذاتية، واستمرت شرائح منهم في الإنجراف إلى تأييد وانتخاب بعض الأحزاب المُخطئة استراتيجياً، فإن ذلك سيؤدي إلى استمرار التداعيات السلبية، وإلى عدم قدرة على تحقيق مصالحهم، وضرب وجودهم ودورهم الفاعل الطليعي في لبنان والعالم العربي.
*كاتب سياسي

