Site icon Lebanotrend

بالشراكة الفعلية فقط نبني وطنًا: لنلاقِ رئيس “التيار” في منتصف الطريق

– جان بو شعيا

بعد أن استبدّت الرئاسة الثالثة بقضم صلاحيات الرئاسة الأولى وراحت تتصرّف كأنّ وجود رئيس للبلاد لزوم ما لا يلزم، وبعد أن تعنّت فريق الرئاسة الثانية بفرض مرشّح للرئاسة الأولى على المسيحيين، رفع التيار الوطني الحرّ الصوت عاليًا مطالبًا بالشراكة الفعلية في الدولة واتّخذ شعار “عَ سوا تنبقى سوا” عنوانًا لمؤتمره السنوي، في ظلّ صمت مهول من الأطراف المسيحية الأخرى، وحدها نداءات بكركي للشراكة، خلف التيار، خرقت جدار هذا الصمت وبدأت تتفاعل مع مطالب رئيس التيار، حتى وصل الأمر إلى تلبية دعوته إلى لقاء مسيحي في بكركي، لوضع تصوّر وطني شامل للأزمة بصبغة مسيحية.

عندها استفاق فريق “القوات” و”الكتائب” من كبوته، وكالعادة جعل نفسه في طليعة المطالبين بهذه الشراكة تحت مسمّى السيادة التي ينتهجها كشعار يتلطّى خلفه ليمرّر الأجندا المطلوبة منه في ظلّ حرب غزة. وحده تيار “المردة” امتنع عن الحضور كي لا يزجّ نفسه في حركة مطلبية محقّة في وجه مَن يفرض رئيسه كمرشح أوحد للرئاسة. إلا أنّ مطالبة فريق “السياديين” المزيّفين بالشراكة، أتى ليتّهم التيار الوطني الحرّ، بمطلبه تحت مسمّى المحاصصة، وفي الوقت نفسه تهميش فريق كبير من اللبنانيين واتهامهم بالانحياز لقوة إقليمية هدفها السيطرة على القرار اللبناني.
من المؤكد أنّ أحدًا من الأطراف اللبنانية لا يريد الحرب على الأراضي اللبنانية في معركة تدور خارج حدوده، كما يرفض الجميع توحيد الساحات في حرب لا تجلب على لبنان إلا المآسي في ظلّ الانهيار السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي، ولكن لا يمكن إلا الوقوف إلى جانب القضية الفلسطينية في وجه عدو صهيوني مجرم ومتوحّش لا يميّز بين مسيحي ومسلم، بين شيخ وكهل وطفل، أو بين رجل وامرأة. ولكن من المؤكّد أيضًا أنّه لا يمكن أن نلتفّ على فريق لبناني لكسره وتهميشه، فعلى أيّة شراكة يتكلّمون؟
إنّ المطالبة بالشراكة الفعلية عبر المناصفة في الحكم والإدارات ليست من قبيل المحاصصة، والمطالبة بالشراكة عبر ضرب شريك أساسي في الوطن ليست سيادة. فالمناصفة تضمن انتظام عمل المؤسسات وتعطي لكلّ ذي حقّ حقّه في نظام ارتضى أن يتشارك الجميع، مسيحيون ومسلمون، في إدارته، أمّا ضرب شريك في الوطن فهو افتعال حرب داخلية أهلية لم يتمتّع بعد اللبنانيون بنسيان ويلاتها. من هنا، يجب مقاربة هذه العناوين بموضوعية وبوطنية، ولو أنّ البعض لا يقارب المواضيع اللبنانية إلا بشخصانية وبتسديد فواتير للخارج خوفًا من امتناع هذا الخارج بتسديد فواتيرهم في الداخل.
وإنّ أصداء اجتماع اللجنة الخماسية ليست إلا دليلًا قاطعًا على ذلك، حيث نرى تجاوبًا وليونةً من جانب “السياديين” وتشدّدًا واضحًا من جانب “الممانعين”، ولكنّها كلّها مواقف تحقيقًا لمصالح شخصية وآنية. وحده التيار الوطني الحرّ تبقى مواقفه مبدئية انطلاقًا من نظرة وطنية وموضوعية للأزمة، فالجمهورية أهمّ من شخص الرئيس وكلّ ما عدا ذلك يحتاج إلى وعي جماعي تتقدّم فيه المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
إنّ الرئيس اللبناني يُنتخَب في لبنان وبالاتّفاق بين المكوّنات السياسية اللبنانية وليس بالاتّفاق بين مجموعة دول لكلّ منها مصلحة خاصة في لبنان. وعدم اتّفاقها يقود إلى خلاف داخلي. فأساس الاتّفاق والشراكة هو احترام الأفرقاء لبعضهم البعض، واحترام إرادة الشعب التي أفرزتها الانتخابات النيابية ولا يكون بفرض هذا أو ذاك من المرشحين لمجرّد وعد قُطع له ممّن لا يحقّ له، أو على الأقلّ، لا يملك القدرة على هذا الوعد، مهمّشين بذلك إرادة مكوّن أساسي وهو المعنيّ الأول بهذا الاستحقاق، فيُمارَس عليه التهديد حينًا والترغيب أحيانًا. ما هكذا تُبنى الأوطان ويُحتَرم الدستور. فالفرض والهيمنة لا يسمحان بتحقيق التوازن الداخلي ولا يساعدان في الانتصار على عدو، بل يساعدان في تشرذم المجتمع اللبناني، ويجعل البعض يعود إلى أحلامه السابقة في حرب داخلية أو العيش في فيدراليات، لبنان أصغر من أن يطبّقها.

علّة وجودنا هي وحدتنا وتماسكنا، ضمن عيش مشترك كامل لا تشوبه قوّة من هنا أو فرض وهيمنة من هناك، شراكة يكون فيها لكلّ مكوّن دوره، وتشكّل مجموعة الأدوار وطنًا متناغمًا ودولة قوية يتمتّع فيها الجميع، ويعطي للبنان نكهته الخاصّة. نختلف بالسياسة ولكن نتّفق حول نظام الدولة، نتصّور استراتيجيات مختلفة ولكن نوحّد الثوابت، لا ننصهر كالمعادن بل نحافظ كلّ على خصوصيته فيلعب كلّ فريق على آلته ليعزف الجميع سمفونية متناغمة تصدر أعذب الألحان. هذه هي القوّة الحقيقية في بناء الدولة، فالسلاح ليس قوّة، والمال وشراء الضمائر لا يكوّنان شعبية، فلنبنِ وطنًا قائمًا على الشراكة الحقيقية، وليقدّم كلّ فريق أجمل ما لديه في سبيل ذلك، وليقرّر الشعب السبيل الأنسب عبر الانتخابات، فيعود لبنان ليكون النموذج كما كان عبر التاريخ، وطن العيش المشترك، وطن الرسالة!

إزاء ما تقدّم، لا بدّ أن نبتعد عن الحقد والكراهية والكيدية والنكاية السياسية، ونلاقي التيار الوطني الحرّ ورئيسه على منتصف الطريق لنبني الدولة، فنتحّد كلبنانيين لمواجهة أيّ عدوان على أرضنا، ولا يتّحد اللبنانيون مع غير اللبنانيين للاعتداء على غيرنا. علينا أن نفصل لبنان عن أحداث المنطقة والإقليم، فلا ننفّذ مصالح الآخرين على أرضنا بل نبحث عن المصلحة العامة لهذه الأرض. هكذا نكون أقوياء وهكذا نحقّق الانتصارات، وهكذا نعيد الثقة ليعيش اللبنانيون في لبنان ويخرج اللاجئون والمستوطنون والنازحون، وتعود العجلة إلى الاقتصاد ويتحقّق الأمن الاجتماعي والأمني والسياسي.

في النهاية، لا بدّ أن ” ننتهج سياسة تفصل لبنان عن غزة ونطالب بوقف إطلاق النار في لبنان” ونفوّت الفرصة على نتنياهو المتعطّش أكثر فأكثر للقتل والدمار والوحشية، وعلى من ينتظر عودة الحرب لينزل ببواريده على الأرض، ونعيد الشراكة الفعلية، ولنسامح ونصفح في زمن القيامة وفي زمن شهر رمضان الكريم، هكذا نبني وطنًا ونحقّق الشراكة الفعلية، بغير ذلك نكون شركاء في زوال وجودنا ووجود لبنان!

Exit mobile version