حسان الحسن –
سواء اشتعلت كل جبهات القتال مع العدو الإسرائيلي أو لم تشتعل، فإن ضربة المقاومة الفلسطينية التي هزت الكيان الإسرائيلي حققت هدفها.
لا ريب في أن عمليةً عسكريةً نوعيةً كعملية “طوفان الأقصى” التي نفذتها المقاومة الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة ووجهت من خلالها ضربةً قويةً وغير مسبوقة للكيان الإسرائيلي منذ تأسيسه عام 1948، لا يمكن إلا أن تكون منسّقة بين مكونات محور المقاومة، لما قد ينتج منها من ارتدادات على دول المحور ككل، وهذا ما حدث، فكان لهذه العملية ارتدادات على الوضع الميداني في لبنان وسوريا.
عمد العدو الإسرائيلي إلى توسيع رقعة اعتداءاته لتشمل الأراضي اللبنانية والسورية ولا يزال يمعن فيها، فيما تتولى المقاومة اللبنانية بدورها الرد عليه بقصف قواته بالصواريخ من دون حدوث تغيير يذكر في قواعد الاشتباك التي أرستها في جنوب لبنان، أي لم تتطور إلى حد القصف المتبادل بين الطرفين للمناطق والقرى اللبنانية والفلسطينية المحتلة إلا في شكل محدود حتى الساعة.
ولا ريب في أنَّ إقدام العدو الإسرائيلي على توسيع رقعة القتال لتشمل الجبهة الجنوبية ما بين لبنان وسوريا هو “سيف ذو حدين”، لكونه يشغل عشرات الآلاف من الجنود للتفرّع لهذه “الجبهة”، ولكن في الوقت عينه، قد يكون لهذا العدو مصلحة في استفزاز سوريا والمقاومة اللبنانية وفتح جبهة قتال معهما لحرف أنظار الرأي العام العالمي عما يرتكبه من جرائم بحق أبناء غزة المحاصرة، خصوصاً بعد التعاطف الشعبي معهم في عدد من الدول الأوروبية، وفي الولايات المتحدة أيضاً.
لذا، في أي حرب مع سوريا يحاول العدو أن يستعطف الرأي العام الدولي، على اعتبار أنها حرب بين دولة ودولة، وليست حرب إبادة، كما يحدث في غزة. ومن المعلوم أن المجتمع الدولي سينحاز حتماً إلى “إسرائيل” ويقف ضد سوريا في حال نشوب حرب بينهما.
ورغم ذلك، قد يدخل محور المقاومة مجتمعاً في الحرب إلى جانب المقاومة الفلسطينية ضد العدو الإسرائيلي عندما تدعو الحاجة إلى ذلك، و”محور المقاومة هو من سيحدد ساعة الصفر”، كما قال وزير الخارجية الإيرانية حسين أمير عبد اللهيان.
وسواء اشتعلت كل جبهات القتال مع العدو الإسرائيلي أو لم تشتعل، فإن ضربة المقاومة الفلسطينية التي هزت الكيان الإسرائيلي حققت هدفها، ولا ريب في أن لها مردوداً استراتيجياً لمصلحة كل مكونات محور المقاومة في المنطقة.
أهداف “طوفان الأقصى”
كذلك، دفعت الحركة الدبلوماسية الدولية والإقليمية إلى التحرك وإجراء الاتصالات مع الدول والقوى المؤثرة في المنطقة للحد من التصعيد وتغليب الحلول الدبلوماسية، إثر الضغوط الأميركية السابقة التي أدت إلى تعثر مسار المحادثات السعودية – اليمنية، ومحاولة عرقلة مسار العلاقات السورية – الخليجية، والضغط على لبنان وسوريا بورقة النازحين السوريين، وهذا ما فعلته عملية “طوفان الأقصى”، إذ دفعت السعودية إلى تجميد تطبيع العلاقات السعودية- الإسرائيلية، بحسب تأكيد مصادر قريبة من الحكومة السعودية لوكالة “رويترز”.
كذلك، وجهت العملية المذكورة ضربةً قويةً إلى المشروع الأميركي الرامي إلى تفتيت المنطقة، تحديداً في سوريا والعراق، فقد تصدر الوضع في غزة واجهة الأحداث في المنطقة وأولى الاهتمامات الدولية، وخصوصاً بعد الإخفاقات الإسرائيلية التي برزت أخيراً إثر نجاح عملية “طوفان الأقصى”.
وفي المناسبة، غاب عن المشهد بالكامل “أصحاب الفتاوى”، الذين أفتوا بـ”الجهاد” في سوريا، وقبلها العراق، ولم يحركوا ساكناً تجاه آلة قتل الأطفال والنساء في فلسطين، وطغى أيضاً الحدث الفلسطيني إعلامياً، وحتى سياسياً، على الحرب الروسية الأطلسية في أوكرانيا من ناحية أخرى.
وفي الشأن الدبلوماسي أيضاً، بدت لافتة زيارة عبد اللهيان للمنطقة في الساعات الفائتة، أي بعد نجاح المقاومة الفلسطينية في إرباك العدو، فمن دون أدنى شك، إن وجود رئيس الدبلوماسية الإيرانية في دول الطوق الفلسطيني في هذا الظرف وهذا التوقيت يؤشر إلى أن الضربة حققت أهدافها، وجاء الوقت المناسب لتوظيف نجاحها في السياسة لمصلحة كل مكونات محور المقاومة.
وفي موازاة الحركة الدبلوماسية النشطة في المنطقة لخفض التصعيد، خصوصاً الاتصالات التي تجريها كل من الصين ومصر وقطر والسعودية وسواها مع الولايات المتحدة والدول المؤثرة في المنطقة، يستمر “جيش” الاحتلال الإسرائيلي في حشد جنوده لشن هجوم بري على غزة مدعوماً بالبوارج والمدمرات الأميركية، فهذه الحشود الأميركية الإسرائيلية تهدف إلى تحقيق غايتين؛ الأولى حاجة “إسرائيل” إلى اتخاذ أي قرار أو القيام بأي عمل “يحفظ ماء وجه جيشها” الذي بدا مربكاً في واجهة المقاومة الفلسطينية.
أما الغاية الثانية، فهي تأكيد الحضور الأميركي في المنطقة، من خلال إرسال المدمرات إليها بعد الإخفاقات الإسرائيلية المذكورة، وقبل ذلك صمود سوريا والعراق والمقاومة اللبنانية أمام الهجمة الإرهابية التكفيرية التي وجهتها واشطن لتفتيت المنطقة وتغيير وجهها باعتراف قادتها، كالرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب ووزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون.
إن لاستقدام البارجتين الأميركيتين بعداً معنوياً أكثر من البعد الميداني والعسكري، فالقوات الأميركية موجودة بأعداد كبيرة في المنطقة، في الأردن وسوريا والعراق والخليج، وهي قادرة على تقديم المساندة والدعم لـ”إسرائيل” من دون استقدام المدمرات إلى المنطقة لقصف غزة.
في الوقت عينه، يسأل الرأي العام: هل تنوي الولايات المتحدة شن حرب واسعة في المنطقة لفرض أمر واقع جديد؟ هنا، إذا أقدمت واشنطن على مغامرة كهذ، فحتماً ستعرض قواتها ومصالحها للخطر، وهي ليست اللاعب الوحيد في المنطقة كي تفرض إرادتها في شكل منفرد في ظل وجود قوات متعددة، كالروسية والإيرانية والتركية.
في المحصلة، ما تحقق في فلسطين المحتلة هو نصر من عند الله، وبإرادة المجاهدين وعزيمتهم.

