الكلام عن القضاء سيف ذو حدين لأنه يحمل في طياته اوجه متعددة تستدعي تفسيرات مختلفة قد تكون سلبية وايجابية في آنٍ معاً.
فكيف بالحري اذا تناول مطلق اي مقال سير العدالة في لبنان، لاسيّما تحقيقات المرفأ وما رافقها من معارك ضاربة بين فريق المُتَهَمين من خلال دعاوى الردّ في وجه المحقق العدلي طارق البيطار ومطالبة خصومه مجاهرةً في ان يتنحى عن القضية بسبب الارتياب في المسار الذي انتهجه البيطار في حقّ المدّعى عليهم في قضية تفجير المرفأ التي زهقت ارواح كثيرة وخلفّت وراءها جرحى اصبحوا اسرى اعاقة دائمة وعائلات كثيرة باتت بلا مأوى او عمل تفترش العراء سقفاً لها.
منذ حصول هذا الانفجار وتعيين محقق عدلي للتحقيق، رافق هذا الملّف علامات استفهام عديدة لجهة سبب عدم امتثال الوزراء المطلوبين طوعياً الى التحقيق وأسروا انفسهم في مستنقع الشبهة المؤكدة لدى الرأي العام فَحُرِموا بعضاً من التعاطف خصوصاً بعد ان عطلّوا الحكومة مدة شهرين ضاربين عرض الحائط مآسي عائلات الضحايا المفجوعين.
اما وقد تمكّن المطلوبون من كفّ يد المحقق بقوة القانون المعطى في الدستور بغضّ النظر عن صوابية وجوده اصلاً و الالتباس الذي يثيره.
فجأةً استفاق المحقق العدلي طارق البيطار على جملة من الاجتهادات بعد انكفاء دام سنة وشهرين مستنداً الى مواد في الدستور فندّها بدقة “وبميزان الجواهرجي”.
في معزلٍ عن تقييم قانونية هذا الاجتهاد. السؤال المطروح اليوم لماذا لم يعمد المحقق العدلي الى طرح هذا الاجتهاد سابقاً وسمح في ان تكبّل يداه عن الملّف طوال هذا الوقت؟.
لماذا امتنع منذ اسبوع فقط عن تزويد الوفد الاوروبي بمجريات التحقيق في انفجار المرفأ بحجة كفّ اليد المرفوعة في وجهه والرضوخ لهذا الامر ما دام سيصدر مطالعة قانونية مرتدة و”مبكلة” في وجه خصومه؟.
ردة فعل الفريق الوزاري في وجه التحقيق تثير الشبهات والضربة المرتدة من قبل البيطار تثير الريبة والتساؤل لجهة توقيتها خصوصاً لجهة الادعاءات المستجدّة في حقّ مُتَّهَمين جدد لا “تركب على قوس قزح”.
لقد اثار التصرّف الأخير للمحقّق العدلي علامات استفهام حتى في صفوف المؤيدين له سابقاً.
السؤال الآني هل يعي البيطار ما يفعل؟ ام هي مغامرة قانونية شعبوية يقوم بها ستكون كلفتها اقسى من تكلفة التفجير ويصبح الشعب اللبناني برّمته ضحية هذا الاستيقاظ المستجد؟.
قد لا تكون نوايا البيطار مشوبة او مشبوهة لكن صمته الطويل ورضوخه لدعوى الرّد تناقض استفاقته الدستورية المفاجئة توحي حتى لأصحاب النوايا الحسنة انَّ خلف هذا الهجوم دعم خارجي ودولي مستتر الهمه القيام بما يفعله فيؤكد بذلك الارتياب المشروع التي تحسّس منه الوزراء المُستدعين سابقاً.
لقد جعل البيطار من دون ان يدري من المطلوبين مظلومين يستعطفون من نبذوهم قبلاً فكيف يفسّر هذا الالتباس؟.
ادخل طارق البيطار البلاد بأنفاق المجهول وبثَّ الذعر في نفوس الناس التي تتقاذفها الأخبار من كلّ حدبٍ وصوب عن فوضى قضائية وامنية واجتماعية سيشهدها الوطن برّمته.
بين النوايا الحسنة والنوايا السيئة التي تدار فيها البلاد، هناك شعرة رفيعة تفصل بين الاثنين يخفق معها اللبناني في تقييم هذا الواقع الغريب العجيب الذي طرأ بلمحة البصر “وينقّز” المواطن في ان يسترسل بعيداً في افكاره مخافة ان يكون البيطار “بطل” المنظومة في “قتل” هذا التحقيق عوض ان يكون “بطل” اهالي الشهداء في “معرفة” الحقيقة.

