في لحظة سياسية وكيانية شديدة الحساسية، تأتي الزيارة المرتقبة للبابا لاون الرابع عشر إلى لبنان كجرعة دعم روحي وسياسي يحتاجها البلد أكثر من أيّ وقت مضى. فلبنان، الواقع تحت ثقل الأزمات المتشابكة، يجد في هذه الزيارة فرصة لإعادة طرح قضاياه الوجودية على أعلى منبر دولي وأخلاقي، وهو ما سعى إليه التيار الوطني الحر بوضوح من خلال مذكرته التي قدّمها لقداسة البابا، واضعاً الإصبع على الجرح الوطني من دون مواربة.
فالمذكرة التي وُجّهت إلى الحبر الأعظم لا تنطلق من بُعد فئوي أو حزبي، بل من رؤية كيانية تحذّر من المخاطر التي تهدّد لبنان في عمقه، بدءاً من استمرار الاحتلال الإسرائيلي وتمدّده بعد حرب 2023 وصولاً إلى الأعباء الوجودية التي يفرضها اللجوء الفلسطيني والنزوح السوري، والذي بات يشكّل نصف عدد اللبنانيين المقيمين، مع ما يعنيه ذلك من تهديد مباشر للتوازن الديموغرافي الذي قام عليه لبنان وقوّته وخصوصيّته.
ويُشدّد التيار في مذكرته على أنّ لبنان يدفع باستمرار ثمن غياب السلام العادل في المنطقة، فيما تتوالى الاعتداءات الإسرائيلية على أراضيه وأجوائه من دون رادع، وبالتزامن مع ضغوط دولية تمنع تسليح الجيش بما يمكّنه من حماية حدوده. وفي ظلّ هذا الواقع، يكرّر التيار موقفه المبدئي الداعم لحصرية السلاح بيد الدولة، ولكن في إطار استراتيجية أمن قومي تحافظ على عناصر القوة الوطنية وتمنع تحويل لبنان إلى ساحة صراعات إقليمية.
ولا تخفي المذكرة حجم الكوارث التي خلّفتها حرب 2023 على الجنوب والبقاع وبيروت، حيث تهدّمت آلاف البيوت وتشرّد الآلاف، في وقت لا تزال الدولة، المُنهَكة أصلاً بأزمة مالية غير مسبوقة منذ 2019، عاجزة عن إطلاق عملية إعمار حقيقية أو استعادة ودائع الناس أو وقف الانهيار المتفاقم. وهنا يبرز الدور الذي يعوّل عليه التيار من الفاتيكان في حث المجتمع الدولي على دعم لبنان في إعادة الإعمار وحلّ الأزمة المالية التي دمّرت حياة اللبنانيين.
ويتوقّف التيار مطوَّلاً عند الدور المسيحي في لبنان، مؤكداً أن تراجعه يعني اهتزازاً وجودياً للكيان اللبناني بأسره. فلبنان الذي اعتبره البابا يوحنا بولس الثاني “أكثر من وطن… رسالة” مهدّد اليوم بأن يفقد رسالته إذا ما استمرّت الهجرة المسيحية وازدادت محاولات تهميش هذا الدور في الإدارة والدولة. من هنا تأتي المناشدة الصريحة للفاتيكان للوقوف إلى جانب الشراكة الحقيقية والمناصفة الفعلية التي يقوم عليها لبنان.
وفي ما يتعلّق بمسار السلام، يطرح التيار رؤية واضحة لا لبس فيها: لا سلام مع إسرائيل قبل تطبيق القرارات الدولية، وعودة الفلسطينيين إلى أرضهم، وانسحاب إسرائيل التامّ من الأراضي اللبنانية، والسماح للبنان باستثمار ثرواته الطبيعية. ويرى التيار أنّ اتفاقية الهدنة لعام 1949 تبقى الإطار الأنسب لتنظيم الوضع الحدودي في المرحلة الراهنة ريثما يتحقّق سلام شامل وعادل على أساس مبادرة بيروت للسلام ومعادلة الأرض مقابل السلام.
أمّا المقترحات التي تطرحها بعض الجهات الدولية بإقامة شريط حدودي منزوع السلاح والسكان في الجنوب، فيصنّفها التيار بأنّها اعتداء صارخ على السيادة وتهجير مقنَّع، مطالباً الفاتيكان برفضها كما ترفضها غالبية اللبنانيين.
وفي المحصّلة، تضع المذكرة أمام البابا صورة دقيقة للبنان كما هو: دولة مهدَّدة من الخارج بسياسات إسرائيلية عدوانية ومن الداخل بأزمات بنيوية وفساد وغياب تخطيط استراتيجي، لكنّها في الوقت نفسه دولة تملك فرصة للنهوض إذا توافر الدعم الدولي وتمسّك اللبنانيون – وفي مقدمتهم المسيحيون – بدورهم المتوازن في إدارة الدولة.
من هنا تنطلق آمال التيار الوطني الحر من زيارة البابا، بوصفها زيارة تحمل معنى الرجاء والانتصار للحقّ والهوّية والكيان. فلبنان اليوم يحتاج إلى صوت الفاتيكان ليذكّر العالم بأنّ هذا الوطن الصغير، رغم آلامه، لا يزال يحمل رسالة الحرّية والتنوّع التي جعلته نموذجاً فريداً في الشرق.

