جورج بشارة
انها بداية العام ٢٠٢٤، خبرٌ عاجل يتصدر العناوين: اسرائيل تستهدف قيادات في المقاومة الفلسطينية في بيروت وانباء عن سقوط شهداء.
الذاكرة تعود تلقائيا عشرات السنين الى الوراء حيث كان دماغنا يتلقى بشكل شبه يومي نفس هذه العناوين الاخبارية خلال مرحلةٍ بدأت في ستينيات القرن الماضي واعتقدنا انها رحلت غير مأسوفٍ عليها الى غير رجعة.
لماذا هذه الانتكاسة ولمصلحة من؟
لا يمكن لباحث سياسي موضوعي الا ان يكفر بالحالة اللبنانية بكل ما درسه عن نظريات السيادة والعقد الاجتماعي وأن يمزقَ كتب القانون الدستوري.
لماذا كل الدول في العالم تقوم على ركائز الارض والشعب والسلطة السياسية، الا دولتنا تقوم على ركائز الارض و٣ شعوب (الشعب اللبناني والسوري والفلسطيني) وسلطة ترى في السياسة تجارة وبزنس؟
لماذا العقد الاجتماعي عند هوبس ولوك وروسو يقوم على “تفويض” الشعب للدولة بينما في لبنان يقوم على “تقويض” الشعوب الثلاثة للدولة؟
لماذا الدستور في معظم الدول يُفسّر ويُعدّل كي يُطبّق الا عندنا ممنوع تفسيره ولا تعديله كي يبقى غير مطبّق؟
ايعقل ان في دولة الجنون هذه، يتجادل السياسيّون على من يحق له استباحة سيادة الدولة بدل ان يتنافسوا على من يمنع اكثر من غيره استباحة هذه الدولة؟
كيف يمكن لدولة ان تقوم في غياب مفاهيم الامن القومي والمصلحة الوطنية العليا؟
كيف يمكن ان يطالب فريق بنزع سلاحٍ لبناني يحمي لبنان وكيف يمكن لمن يسعى لحماية لبنان ان يزجّنا بصراعٍ لا يتلاق مع مصلحة لبنان؟
من سمح لمجموعاتٍ اجنبية رغم احقية ومشروعية مطالبها ان تستبيح سيادتنا لتنفيذ مصلحتها وان تعيدنا الى تجربةٍ مأساوية جلبت الويل لقضيتها المحقّة وشرّعت الابواب لتقاسم لبنان تحت حجة حماية الامن القومي؟
ايعقل عدم وجود عاقلّ متجرّد في هذه الجمهورية سوى جبران باسيل؟
الا يوجد حزب آخر غير التيار الوطني الحر يدعو الى حماية لبنان من المطامع والتهديدات الاسرائيلية من دون جعله ورقة تفاوضٍ محروقة على طاولات المفاوضات الاقليمية؟
الا يحق لنا ان نحلم بالعيش بالحد الادنى من دون خوف من القتل والدمار والتهجير بلا سببٍ وجيه؟
لقد دفع اللبنانيون مئات الاف القتلى للدفاع عن لبنان وفق منظارهم وتحملوا الفوضى والدمار لعشرات السنين، فلا يحاولن احد ان يعيّرهم.
فالوطنية هدفها اولاً واخيرا تحقيق خير الانسان، فأي خير اتى من قبل او سيأتي اليوم من استباحة ارضنا لصالح غيرنا؟ واي كرامةٍ تلك التي نتوسّل عبرها كسرة خبزٍ وحبة دواء؟
أما إلى المنظرين بوحدة الامة، فنقول إن الامة لا تعني دولة والدول غير مسؤولة الا عن شعبها وشعبها غير مسؤول عن الانتماءات الدينية ولا القومية.
دعونا جميعاً نتكاتف لنحمي لبنان من دون جعله أرضاً محروقة.

