لم يكن كلام جبران منذ يومين كلامًا جديدًا ولكن كانت الإطلالة للكلام عنه متجدّدة.
فمسألة التّدقيق الجنائي باب فتحه التيّار منذ بضع سنوات، ولكنّ الكلام عنه وعن تداعياته ومساوئه على اللّبنانيّين كان قد نسجه الجنرال المؤسّس “ميشال عون” بحبكة محكمة وبرؤية استباقيّة منذ سنوات طويلة.
إلّا أنّ كلمة جبران، هذه المرّة، تضمّنت تفنيدًا للمراحل الّتي اتُّبعت مع شركة التّدقيق ألفاريز ومارسال، والأرقام المهولة المرعبة حول سرقات أموال المودعين، كما إظهار تقاعس مصرف لبنان عن إظهار الملفّات، وتبيان التّلاعب الكروي بمصير النّاس عبر تقاذف الملفات الناقصة ل الفاريز ومارسال بين وزارة المالية ومصرف لبنان. والأسوأ أنّ كلّ طرف يتنصّل من دروه، ومصير تعب المودعين، من أقصى الشّمال إلى أقصى الجنوب من دون تمييز، أصبح في مهبّ الرّيح.
كما أظهرت كلمته عمق التّخاذل من أطراف لبنانيّة تدّعي حماية أموال اللّبنانيين وأنّها تسعى لنهضة لبنان من جديد إلاّ أنّ دورها لا يقتصر إلى على بعض الكلام لأهداف مخفيّة: ماديّة، إنسحاقيّة. تلك الأطراف الّتي سمحت بالمسّ، وهي مكتفية بالمراقبة، بأموال اللّبنانيين لا بل شارك البعض منها في عملية السّرقة المنظّمة، أو عمليّة إخفاء المعلومات وأحيانًا بالتّهليل والدّفاع عن السّارق.
أين هؤلاء، من يدّعون التّغيير؟ أين تلك الثّورة الّتي سعت إلى تعميق الأزمة بمسمّى ثورة وهي كانت”عورة” أظهرت عدم انتماء الكثيرين إلى لبنانيّتهم وتفضيلهم الخراب على البناء. وكانت “فورة” لأفكار هدّامة ضعضعت المجتمع اللّبناني وعاثت فيه خرابًا.
بالإضافة إلى أنّ “جبران” في كلمته، قطع الطّريق على الّذين، فينا وبدنا ونحنا قدّا، أصحاب الشّعارات اللّامحقّقة منذ وجودهم، والّذين لم يسائلوا ولم يقدّموا إخبارًا ولم يدينوا استمرار تلك السّرقات إدانة ملموسة. حتّى أنّهم لم يطالبوا بتحقيق قانونيّ أو بمحاكمات وكأنّهم مستفيدون لا بل هم من المستفيدين حقًّا من هذا الواقع!
ما الّذي حصل؟ أين طارت أموال المودعين؟ من استمرّ في تهريب الأموال وكيف برز اسم شركة اوبتيموم؟ وكيف قام مصرف لبنان، أي رياض سلامة، بإخفاء وتزوير الحقائق عن العمليّات الّتي قامت بها هذه الشّركة؟ من سعى ولا يزال إلى تدمير الاقتصاد والبلد؟ من سيحاسب؟ كيف؟ لا رئيس للجمهوريّة، حكومة بحكم المستقيلة تتلاعب بمصير وطن ولا يرفّ لرئيسها السّابق جفن. أسئلة عديدة يطرحها التيّار منذ سنوات، من منطلق وطنيّ يعني كلّ اللّبنانيّين، وجاء الكلام عليها مرارًا وتكرارًا حين كان الرّئيس عون في بعبدا، ولم تجد دعمًا ولا اهتمامًا ولا حتّى ملاقاة من أيّ طرف. أسئلة لم تجد طريقها المستقيم بعد، إلّا أنّ التيّار لم ولن يسكت وكلّ ذلك بات واضحًا من إصراره وملاحقته لهذا الملفّ.
ولو أنّ ثقته بالقضاء قد تهتزّ أحيانًا، إلّا أنّ منطق الحقّ والدّولة معه يغلب. ويبقى القضاء أينما وجد الحلّ الأمثل لإعادة هذه الأموال والتّدقيق الجنائي لمعرفة كلّ الحقائق المتعلّقة بها.
لذلك، في كلمة “جبران” الأخيرة، طرح كخطوة أولى على الحكومة مجموعة أسئلة حول التّحقيقات ومحاولة قطع الطّريق على القضاء للقيام بدوره في التّحقيق. أين ولصالح من توجّهت الأموال الّتي هُرّبت. مع أنّه لا يغفل على التيّار محاولة الحكومة للتّنصّل، كما تفعل عادة حينما يكون الموضوع ذو قدر كبير من الأهميّة.
وطبعًا لأنّ العمل من الحكومة معدوم في هذا الموضوع العميق لن يطول الوقت للتّوجّه إلى القضاء، أي الحقّ والعدل، سواء القضاء اللّبناني(مع أنّه أيضًا يعرف المعوقات) وصولًا إلى القضاء في بعض الدّول الأوروبيّة عبر شكاوى أو إخبارات يمكن أن يتقدّم بها نوّاب التيّار.
“لن تستطيعوا أن تسحبوا ملف الأموال المنهوبة والمهرّبة من يد التيّار. ولن ننسى أو نسكت عن قضيّة حقّ، تعني كلّ اللّبنانيّين، كنّا أوّل المحذّرين منها والمناضلين لأجلها”.
هذا ما يجب أن ينطق به صاحب الحقّ، هذا هو صلب وجود التيّار العمل على إحقاق الحقّ والعدالة للّبنانيّين. فمن سيجرؤ على ملاقاته؟ على الأرجح لا أحد، فليس هناك من يتمتّع بحريّة القرار وقوّة النّبض ويحمل لبنان في عقله وقلبه كالتيّار الوطنيّ الحرّ. هل سيبقى التيّار وحده من يحمل همّ اللّبنانيّين ويستمرّ الآخرون بالصّمت المريب؟ الأيّام ستكون كفيلة بإظهار الحقيقة ولو أنّها في الأصل أوضح من وضوح الشّمس. (جومانا ناهض)

