الأخبار: علاء حلبي-
دخل الحراك في مدينة السويداء، والذي بدأ باحتجاجات على رفع أسعار المحروقات وتطوّر لاحقاً إلى تظاهرات ووقفات محدودة مناوئة للحكومة السورية، عامه الأول، من دون أن يحقق أي نتائج على الأرض، بالرغم من المحاولات المستمرة من قبل الولايات المتحدة وبعض دول الاتحاد الأوروبي لاستثماره، وصولاً إلى طرح أوضاع المحافظة الواقعة في الجنوب السوري تحت قبة «مجلس الأمن» الدولي، كورقة ضغط سياسية. وسبقت التظاهرات والوقفات الاحتجاجية التي انطلقت قبل عام، مجموعة متشابكة من الظروف التي مهّدت بشكل مباشر لتأطير «الخصوصية» التي تتمتع بها هذه المحافظة، سواء لأسباب دينية (كون معظم سكانها من «طائفة الموحّدين الدروز»)، أو لأسباب أخرى تتعلق بالامتداد الديموغرافي لمكوّنات المحافظة نحو لبنان من جهة والجولان السوري المحتل من جهة أخرى. ولربما يفسر ذلك بعضاً من ملامح الآلية التي تعاملت بها الحكومة السورية لضبط الأوضاع في السويداء، في وقت لعب فيه شيوخ العقل دوراً بارزاً في الاتجاه نفسه، بالرغم من الاختلاف الظاهر في سياسة الشيوخ الثلاثة (يوسف الجربوع وحمود الحناوي وحكمت الهجري).
وبينما اتخذ الشيخان الجربوع وحناوي موقفاً متوازناً عبر تمسكهما بجملة من الثوابت؛ أبرزها مكانة الجيش السوري، والانتماء إلى الدولة السورية، ومنع عرقلة عمل الدوائر الحكومية خلال الاحتجاجات، اختار الشيخ الهجري موقفاً منحازاً نحو المتظاهرين، وتحوّل مع مرور الوقت إلى أحد قادة «الحراك» الذي تسبب في بدايته في شلّ الحياة في المدينة، قبل أن يتم التوافق، بشكل ضمني، على الفصل بين هذه التظاهرات والوقفات الاحتجاجية ونشاط المؤسسات الحكومية.
والجدير ذكره، هنا، أن موقف شيوخ عقل الطائفة، والتواصل المستمر في ما بينهم، شكّلا أرضية صلبة ساهمت، في كثير من الأوقات، في منع نجاح محاولات الاختراق.
وكان أبرز تلك المحاولات، سعي شيخ عقل «الموحدين الدروز» في فلسطين المحتلة، موفق طريف، المعروف بتماهيه مع السياسة الإسرائيلية، لاستثمار هذا الحراك، عبر العمل على حشد دعم دولي والدفع لتأسيس «إدارة ذاتية» على غرار «الإدارة الذاتية» الكردية، بدعم أميركي يتم تقديمه من «قاعدة التنف» غير الشرعية، عند المثلث الحدودي مع العراق والأردن. إلا أن ذلك المشروع انتهى، حتى الآن، بالفشل الذريع، في ظل المواقف الرافضة له في السويداء، والتحركات التي قامت بها دمشق لقطع الطريق أمامه.
ساهمت المواقف المختلفة لشيوخ عقل الطائفة في منع حدوث اختراقات كبيرة
أما المعارضة السورية التي تنشط من تركيا، ممثلة بـ«الائتلاف»، فحاولت بدورها استثمار الأوضاع في السويداء، عبر توجيه رسائل دعم مستمرة إلى الحراك هناك، أملاً في توسّع دائرته، وذلك بعد نكسات عديدة منيت بها المعارضة والفصائل التي تقول إنها تابعة لها في الشمال السوري، سواء في ميدان القتال، أو على الساحة الدولية. لكن هذه المساعي قوبِلت بالفشل أيضاً بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها دور شيوخ عقل الطائفة، وفشل المعارضة سابقاً في اختراق السويداء التي نأت بنفسها عن الأحداث حينها، بالإضافة إلى المجازر وعمليات التهجير لأسباب طائفية، والتي تعرّض لها الدروز في ريف إدلب عام 2015 (أبرزها مجزرة قلب لوزة) على يد مسلحي «جبهة النصرة – فرع تنظيم القاعدة»، والتي تحوّلت لاحقاً إلى «هيئة تحرير الشام» وحاولت خلع عباءة «القاعدة» عنها بدعم تركي.
وبعد عام من انطلاق الحراك في السويداء، والذي شهد انخفاضاً كبيراً في عدد المشاركين في التظاهرات والوقفات الاحتجاجية، تظهر نظرة سريعة على الأرض استمرار الحالة الخاصة التي تعيشها المحافظة، والتي سبقت الحراك بأعوام عديدة، عندما تشكلت فيها مجموعات قامت بحمل السلاح للدفاع عنها ومنع دخول الفصائل «الجهادية» إليها، لتتطور هذه المجموعات وتأخذ أشكالاً أخرى، بعد ابتعاد خطر تلك الفصائل إثر سيطرة الجيش السوري على الجنوب السوري وريف دمشق، إذ كرّس هذا الأمر الحالة التي تعيشها السويداء، والتي نجحت فيها الأصوات المعارضة في الاستمرار على مدار عام كامل، من دون أن تحقق أي نتائج على الأرض، بعدما تمّ رفع سقف مطالبها بشكل لا يتناسب مع حجم الحراك وقوته، وهو ما يبدو أنه مقبول بالنسبة إلى دمشق، التي تفهم خصوصية السويداء بشكل جيد.

