Site icon Lebanotrend

سباق محموم بين مساعي المفاوضات وأرمادا الحرب

حبيب البستاني*

على وقع قرقعة السلاح وتحركات الأرمادا الأميركية تعيش المنطقة في حالة من الانتظار والترقب، فالجميع وبدون استثناء يتأهب لحدث جديد لا بل أحداث جديدة قد تغير كل ما في المنطقة من المحيط إلى الخليج وما بينهما، وصولاً إلى أفغانستان والصين ولا سيما “طريق الحرير” المخطط الصيني الكبير الذي من المؤمل أن يربط الشرق الأوسط بمناطق آسيا وأفريقيا ويمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الهادي بحراً ومن ناحية البر من الصين وصولاً إلى أوروبا مروراً بآسيا الوسطى وبلاد الأناضول وإنطاكيا. فالكل بات على يقين أن أي تغيير جيوسياسي ستكون له انعكاسات ليس فقط إقليمية فحسب إنما دولية. والرئيس الأميركي الذي يضع إصبعه على الزناد ليس مستعداً على ما يبدو للذهاب بعيداً في هذا المنحى، فمن السهل البدء بالحرب ولكن لا أحد يستطيع التكهن بنهايتها ولن يكون من السهل وضع حد لها، فاستهداف إيران لن يشكل حدثاً معزولاً في الزمان والمكان وبالتالي فإن تهديد مصالح الصين وروسيا والهند لن يمر مرور الكرام. وهذه الدول الثلاث هي الأكثر استفادة من طريق الحرير، ولأخذ العلم فإن استثمارات الصين في إيران وحدها تجاوزت ال 400 مليار دولار منها 280 مليار لقطاع النفط و120 مليار دولار للبنى التحتية تمتد على فترة 25 عاماً، والصين التي تعتبر المستورد الأول للنفط الإيراني بنسبة تتجاوز ال 90% ستتمكن من تحصيل قيمة استثماراتها بموجب اتفاقيات لاستيراد النفط  بأسعار مخفضة تمتد لنفس الفترة الزمنية. والرئيس الأميركي يعلم ذلك جيداً وهو لن يقوم بمغامرة في إيران إلا بعد الإجابة  عن السؤال الكبير ” ماذا بعد؟ “.
الضربة رهن بمعرفة أحداث اليوم الثاني
بات واضحاً وجود معسكرين كبيرين في العالم لهما التأثير الأكبر على خطوات ترامب المقبلة، المعسكر الأول الذي تتزعمه إسرائيل يذهب إلى حد الضغط وبكل الوسائل على الرئيس الأميركي بغية تنفيذ ضربته العسكرية على إيران، فإسرائيل غير معنية بالاتفاق النووي الإيراني وهي لا تريد فقط تدمير وتحييد القوة النووية لطهران إنما ضرب برنامج الصواريخ الباليستية والفرط صوتية الذي يشكل خطراً مباشراً على الدولة العبرية التي أصبحت كل مدنها ومنشآتها النووية والبترو كيميائية ومن حيفا وديمونا مروراً بتل أبيب  في مرمى القوة الصاروخية الإيرانية. أما المعسكر الثاني المناهض للحرب فيضم إلى جانب السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي وقطر التي تتشارك وإيران في حقل فارس الجنوبي وهو حقل غاز طبيعي في الخليج العربي وحقل غاز الشمال الذي يشكل أكبر مخزون عالمي للغاز حوالي أكثر من 51 تريليون متر مكعب، إلى جانب هذه الدول يبرز الدور التركي الذي يريد ان يلعب دور بيضة القبان بين الولايات المتحدة وطهران وبالتالي تريد تركيا أن تكون عراب المفاوضات وعراب الاتفاق النووي الجديد المزمع توقيعه بين ترامب ورئيس الجمهورية الإسلامية مسعود بزشكيان. هذا ومن المحبذين للحرب المعارضة الإيرانية لا سيما تلك الموجودة في الخارج والتي تريد قلب نظام الخامنئي للحلول محله، ولكن المعضلة الكبرى هي من سيخلف آيات الله في حال تم قلب النظام الإيراني من قبل الولايات المتحدة الأميركية؟ لقد بات من شبه المؤكد أن رضا بهلوي ولي عهد شاه إيران محمد رضا بهلوي الذي يعيش في المنفى في الولايات المتحدة، لن يكون بوسعه قيادة النظام الجديد في طهران وبالتالي فمن شبه المستحيل أن تنجح ثورة بدون رأس لها، وما يؤخر الضربة الأميركية هو عدم معرفة أحداث اليوم التالي.
أميركا تريد إخضاع إيران سلمياً وليس بالضرورة بقوة السلاح
ما تريده الولايات المتحدة مختلف تماماً عما تبحث عنه إسرائيل، فإذا كان صحيحاً أن ترامب يريد أمن إسرائيل ولكنه أيضاً يريد تأمين مصلحة الولايات المتحدة، وبالتالي فهدفه هو توقيع طهران لاتفاق نووي جديد بالشروط الأميركية وذلك من دون المس بالتوازنات الإقليمية، فمسألة القوة الصاروخية الإيرانية تعتبر ثانوية أمام الخطر الناتج عن امتلاك طهران للسلاح النووي وبالتالي انتشار الأسلحة النووية في كل منطقة الخليج. وهكذا فالسباق المحموم بيم مساعي المفاوضات وأرمادا الحرب متوقف على الاتفاق النووي لا أكثر ولا أقل.
كاتب سياسي*