حسان الحسن-
“مدينة العلم والعلماء”… “عاصمة الشمال ولبنان الثانية”… “أم الفقير”… “الفيحاء”، هكذا لقّبت وعرفت مدينة طرابلس عبر التاريخ ولا تزال حتى الساعة. فقد أطلق اللقب الأول عليها، كون أراضيها كانت تحتوي مكتبة بني عمار (وهم من الشيعة) أو دار العلم. ويلفت عدد من المؤرخين إلى أنها ضاهت مكتبة بغداد في العصر العباسي. وأصبحت طرابلس في القرن الحادي عشر أعظم مدينة على طول الساحل الشرقي للبحر المتوسط، تحفها أساطيلها التي كانت تتنقل في البحر المتوسط وتستقر على سواحلها، كأروع ما تشمخ به مدينة تعيش أروع أدوارها الفكرية والحضارية.
كذلك كانت من أهم معاقل أهل التصوّف، وهنا يشير أحد العارفين إلى أن في إمكان كل من يرغب أن يزور، كل يومٍ على مدار السنة، تكيةً أو مقامًا أو معلمًا صوفيًا في الفيحاء، (أي مئات المعالم)، ناهيك بدور الثقافة، والمسارح، والمنتديات الفكرية، والمكتبات التاريخية، وبيوت الفن…
أما اللقب الثاني أي (عاصمة الشمال)، فقد أطلق على عاصمة لبنان الثانية، كونها كانت ملتقى لجميع أبناء الشمال، ليس في أسواقها وحسب، بل وكانت واحةً حقيقيةً للتنوع، يقطنها غالبية وجهاء الشمال، كرئيس الجمهورية السابق سليمان فرنجية، ونجله الشهيد طوني، والشيخ يوسف الضاهر والد رئيس مجلس إدارة المؤسسة اللبنانية للإرسال، على سبيل المثال لا الحصر. كذلك كانت مقصدًا لجميع اللبنانيين يفدون إليها للسياحة والتسوق، وتناول حلوياتها الشهيرة.
والثالث، نعم أنها تستحق لقب “أم الفقير” عن جدارة، فطرابلس ملجأ الفقراء وذوي الدخل المحدود. فعلًا تجد في أسواقها ومتاجرها البركة التي تنعكس على حياة الفقراء. والرابع مرتبط بطبيعتها الجميلة، فقد لقبّت بـ “الفيحاء”، لكثرة بساتينها وتنوّع أشجارها وورودها ورياحينها.
إذن، طرابلس هي بوتقة علمٍ وحضارةٍ وتنوعٍ ثقافيٍ وأدبيٍ وتعدديةٍ، فلن تمحو تاريخها العريق غفلة من زمن، تحولت فيه مدينة العلم والعلماء إلى ساحة تصفية صراعاتٍ لحساباتٍ إقليمية، وحتى داخلية في بعض الأحيان، كجولات الاشتباك بين أبناء المنطقة الواحدة في المدينة الواحدة، ما أدى إلى تصاعد نجم التيارات المتطرفة البعيدة عن تاريخ المدينة العروبية ونسيجها الاجتماعي.
وما أتى به التيار الوطني الحر في الأيام الأخيرة الفائتة في طرابلس، إن لناحية الجولة التي قام بها رئيسه النائب جبران باسيل على بعض الفاعليات الطرابلسية، وإن لجهة ترميم شارع الدكتور يعقوب اللبنان المعروف بـ “مينو” في مدينة الميناء، ليس بغريب على نهجه وتواصله مع الجميع.
فالأولى هي استكمال لتواصلٍ إنسانيٍ واجتماعيٍ مع أبناء الفيحاء، بدأه الرئيس المؤسس العماد ميشال عون مع الطرابلسيين في أحلك الظروف في ثمانينات القرن الماضي، نذكر منهم المرحومين النائب الدكتور عبد المجيد الرافعي والزعيم فاروق نافذ المقدم رئيس حركة “24 تشرين”. كذلك فإن الرئيس عون، كان يسند أهم المواقع وأدق المهمات إلى الضباط الطرابلسيين (أطال الله بأعمارهم)، خلال توليه قيادة الجيش في الحقبة التاريخية عينها. ولم يغب “التيار” عن شؤون عاصمة لبنان الثانية وشجونها على الإطلاق، وإن بالكلمة الحرة والموقف الشجاع.
كذلك فإن التواصل مع من التقاهم باسيل، يعود إلى عقود خلت. فالعلاقة مع تيار الكرامة والجماعة الإسلامية، ترقى إلى تسعينات القرن الفائت، من خلال عقد التحالفات في الانتخابات الطالبية في الجامعة اللبنانية في طرابلس وجامعة البلمند. وحينذاك، حققوا نجاحاتٍ في الانتخابات المذكورة. واليوم وصل الطلاب الفائزون في تلك الحقبة إلى مواقعَ اجتماعيةٍ وإعلاميةٍ مرموقةٍ.
والتيار ايضًا لا ينسى أيًا من المواقف النبيلة، وهنا لا بد من التذكير، بالموقف الذي اتخذه النائب مصباح الأحدب، حيال أحداث السابع من آب 2001، حين قصد محطة “أم تي في”، رافضًا القمع والاضطهاد.
في المقابل، رد “التيار” التحية بالتحية للأحدب يوم تعرض للترهيب، وأطلق النار تحت منزله في الفيحاء، كونه رفض تمديد ولاية الرئيس العماد إميل لحود الدستورية في تشرين الأول من العام 2004. فقد زار وفد من “التيار” برئاسة المنسق الأسبق لهيئة قضاء زغرتا المرحوم المهندس رياض غزالة، الأحدب في منزله في طرابلس، تضامنًا معه، وتنديدًا بما تعرض له من ترهيب آنذاك.
أما لناحية ترميم شارع “مينو”، فقد قصد “التيار” الحفاظ على أحد أبرز نماذج العيش الواحد في عاصمة الشمال، لتعزيز هذا النموذج بين جميع أبناء المدينة، وفي الوقت عينه، تخليدًا لأعمال طبيب الفقراء ابن الميناء الدكتور يعقوب اللبان، صاحب اليد البيضاء التي امتدت إلى القريب والبعيد من أبناء مدينه. ولا بد هنا من العرفان بالجميل، لجمعية “موج وأفق” التي أشرفت على ترميم هذا الشارع، ولكل من أسهم ماليًّا لإنجاز هذا الترميم، وفي مقدهم ابن الميناء رجل الأعمال ألفرد دورة، الذي لا تربطني به أي صلةٍ أو معرفةٍ، ولكن هذه كلمة حق تقال، وهذا أضعف الإيمان.

