خاص tayyar.org –
في لحظة يختنق فيها اللبناني تحت ثقل الأزمات المتراكمة، ويكافح لتأمين أبسط مقوّمات العيش، يخرج قرار الحكومة رفع أسعار المحروقات كأنّه الحلّ السحري لسدّ العجز وتأمين الزيادة الوهمية للقطاع العام، وهو خيار بالتأكيد ليس اضطراريًا، بل أقصر الطرق وأسهلها: مدّ اليد مباشرة إلى جيوب الناس وسرقتهم. والأخطر أنّ هذا الطرح يأتي من وزير الطاقة القواتي جو صدي، فينا رئيس حزبه سمسر جعجع رفع منذ أسابيع فقط راية “النظرة الدولتية” في مقاربة التحديات الاجتماعية، ووعد بعدم اللجوء إلى الضرائب التي تصيب الفقراء قبل غيرهم.
هذا التناقض الفاضح بين الخطاب والممارسة لا يمكن تبريره بذرائع تقنية أو مالية. فرفع أسعار المحروقات ليس إجراءً محايداً، بل ضريبة مقنّعة تطال كلّ شيء: النقل، الخبز، الدواء، التعليم، والحدّ الأدنى من الحياة الكريمة. هو قرار يضرب القاعدة الاجتماعية التي يفترض أن تكون محور أي سياسة إصلاحية، ويعمّق الفجوة بين السلطة والناس.
المفارقة أنّ رئيس القوات نفسه، سمير جعجع، كان قد أعلن بوضوح أنّ مقاربة الأزمة تتطلّب “نظرة دولتية” لا ترقيعية، وأنّ لبنان قادر على تأمين ما لا يقلّ عن مليار دولار سنوياً من خلال تشديد الجباية الجمركية ومكافحة التهرّب الضريبي، بدل الركون إلى الحلّ الأسهل: فرض الأعباء على المواطنين المنهكين. فأين ذهبت هذه الوعود؟ وكيف تحوّلت من برنامج إصلاحي إلى مجرد شعارات موسمية؟
ليست الأزمة بالتأكيد في شحّ الموارد، بل في غياب الإرادة السياسية لإدارتها بعدالة. فالدولة التي تعجز عن ضبط حدودها، وتغضّ الطرف عن شبكات التهريب، وتفشل في استرداد حقوقها الضريبية من كبار المكلّفين، لا يحقّ لها أن تعوّض عجزها عبر تضخيم سعر المحروقات كأنه كنز سهل المنال. هذا ليس إصلاحاً، بل هروب إلى الأمام.
في بلد يعيش أكثر من ثلثي شعبه تحت خط الفقر، يصبح رفع أسعار المحروقات فعلاً اجتماعياً خطيراً، لا قراراً مالياً فحسب. وهو اختبار لصدقية الخطاب السياسي القواتي (صدقيته في خبر كان): إمّا الالتزام بما قيل للناس، أو الاعتراف بأنّ “النظرة الدولتية” سقطت عند أوّل منعطف، وأنّ الترقيع عاد ليحكم باسم الإصلاح.

