كتبت جوي جرجس تقول:
٦ شباط ٢٠٠٦ لم يكن نتيجة ل٥ شباط وأحداث غزوة الأشرفية بمظاهر داعشية في بيروت، بل كان مياهاً أطفأت نيران الفتنة بتوقيتها رغم أنها ثمرة تراكم لقاءات وحوار ونقاشات استمرت لفترة بين لجنة ومسؤولين من الطرفين اختتمت بلقاء القيادتين وتوقيع ورقة التفاهم ببنود واضحة ونقاط التقاء رغم الخلافات، ودعوة لباقي الأطراف للانضمام والتلاقي مع هذا التفاهم ليصبح تفاهماً وطنياً يشمل الجميع.
التفاهم السياسي والوطني الذي بدأه التيار الوطني الحر وحزب الله عام ٢٠٠٦ تلقى ردود رافضة وحروب استهدافية تلاقاها الفريقان، وامتحانات متكررة هزّت أرضية الهيكل دون الوصول الى هدمه او سقوطه.
العماد عون وتياره كانوا يمثلون أكثر من سبعون بالمئة من المسيحيين قبل ذاك التفاهم ووُصِف اكتساحه الانتخابي بالتسونامي، وتراجع تمثيله لحوالي ال٥٥ بالمائة نتيجة رفض وامتعاض جزء من جمهوره الواسع وعدم استيعاب أهداف ومضمون هذا التفاهم السياسي مع فئة لا تشبههم بعاداتها وتصاريحها وارتباطاتها الاقليمية وايديولوجيتها.
بعد صدمة التفاهم الثنائي تشارك الفريقان ساحات النجمة ورياض الصلح وما بينهما، تشاركا انتفاضة شعبية على حكومة مبتورة إلغائية وغير ميثاقية، واستكملا المسار بمطالب سياسية مشتركة وشراكة في الحكومات والتحديات.
حرب تموز كانت امتحاناً سريعاً لاقاه الجنرال عون بتبنّي حماية المقاومة بالقرار السياسي واحتضان شعبي وحمى ظهر المقاومة بتأييد وطني رافض لتحميل الحزب وعملية خطف الجنود مسؤولية الحرب، وذهب أبعد من ذلك إلى إعلانه النصر المتوقّع من بيت الرابية في احدى مقابلاته المتلفزة رغم صوت وتهديدات الطيران الاسرائيلي وجولات تحليقاته بسماء الرابية، فقال الجنرال عون حينها أن المقاومة ستنتصر ومصيرنا مشترك.
شريك النصر أصبح شريك قوى الثامن من آذار في حكومات الوحدة الوطنية بعد اتفاق الدوحة، وعطّلوا معاً تشكيل أي حكومة بلا ثلث ضامن وتوزير وزراء من اختيارهم وواجهوا التحديات كإئتلاف ثنائي رغم كل الصعوبات.
الامتحان الأكبر والأصعب كان لما اتخذ حزب الله القرار بالدخول العسكري الى سوريا والمشاركة بالمعارك الى جانب الدولة السورية والشركاء الاقليميين لإنقاذ النظام من السقوط العسكري. في تلك الظروف اختفى صوت معظم حلفاء الحزب في لبنان، وكان الوضع العسكري في سوريا غير مطمئن؛ وقف جنرال الرابية مرة أخرى ورفع صوت النصر في الاعلام وربط مصيره وتياره بمصير الحزب قائلاً اننا ب”تكامل وجودي” والنصر آتٍ لا محالة. تلقى الجنرال عون ضربات وتهجمات وحملات كبيرة بسبب دفاعه عن الحزب وتغطيته له سياسياً، وأصبح استهدافه بحرب اعلامية وسياسية من ضرورات الحرب الداخلية والخارجية على حزب الله، وما لا يقدرون على ضرب الحزب به يضربون التيار عنه كبديل وغطاء للحزب بحسب تصنيفهم له.
وقف حزب الله مع العماد عون بعدّة استحقاقات، منها وقوفه الى جانبه حين أصرّ على توزير جبران باسيل حين وضعت قوى ١٤ شباط فيتو على توزيره رغم انه من حق كل فريق ان يسمي الوزراء الذين انتدبهم عنه في تلك الحكومات، ووقف الحزب الى جانب العماد عون في منع انعقاد جلسات انتخاب رئيس الجمهورية ومقاطعة تلك الجلسات لحين تأمين التوافق السياسي بين معظم القوى على اسم ميشال عون رئيساً.
لكن ما بعد رئاسة الجمهورية ليس كما قبلها؛ بعد وصول العماد عون للرئاسة وبعد حصول التسوية الرئاسية التي نادى بها حزب الله بلسان أمينه العام مرات عدة، تأمل الرئيس عون والتيار الوطني الحر أن يكون حزب الله السند والداعم الأساسي لنجاح العهد وتحقيق ما يتمناه التيار من إصلاحات وأسس لبناء دولة قوية وفاعلة. اصطدم عهد الرئيس عون بمعوّقات غريبة عن تمنياته، فأصبح ممنوعاً على رئيس الجمهورية ما كان مسموحاً للرئيس الضعيف ميشال سليمان؛ لا وزير شيعي من حصة الرئيس عون فالحصة الشيعية حصرية بالكامل للثنائي الشيعي، أما الوزير السني الذي طالب به الرئيس من حصته الوزارية فاخترعوا كتلة نيابية من مجموعة نواب سنّة لا يجمعهم شيء ولا يتطايقون، للمطالبة بحق التمثيل الوزاري وأخذ الوزير السني المحسوب على حصة رئاسة الجمهورية. في عهد الرئيس عون أصبحت وزارة المالية حق حصري للمذهب الشيعي وممنوع أن تشملها أي مداورة على الحقائب الوزارية، وخُلِق عُرف من خارج أي أعراف دستورية وفُرض بالقوة على تشكيل حكومات العهد. وزارة المالية بقيت ممسوكة من حركة أمل ومن وزراء شكلوا عقبة أساسية أمام أي إصلاح مالي واقتصادي، ووزراء عرقلوا تنفيذ خطة الكهرباء والعديد من الملفات، كما استُعمل توقيع وزير المال كعقبة مشروطة وإلزامية امام مراسيم لا تحتاج توقيعه دستورياً.
وقف حزب الله الى جانب شريكه في وحدة الصف المذهبية ضد مطالب للرئيس باستحقاقات عدة، منها موضوع رفض وجود أي عضو مدني في لجنة التفاوض على الحدود البحرية، حتى لو كانوا خبراء اختصاصيين اختارهم الرئيس الضمانة، وأصدر بيان تخويني معيب بحق الرئيس بإحدى الليالي، مع حملة تهجمية إعلامية غير مسبوقة، رغم أن هذه اللجنة أنتجت خط تفاوضي (الخط ٢٩) أبعد ب١٤٣٠ كم٢ عمّا كان قد اتفق عليه صمام الامان نبيه بري مع الأميركيين من خلال الخط ٢٣ سابقاً.
أتت ثورة ١٧ تشرين الانقلابية فوقف سيد المقاومة وقال في الاعلام “العهد ما فيكن تسقطوه” فكان موقفه داعم للرئيس واستباقي لتحويل الانقلاب الى معركة داخلية مع حزب الله بعد كسر الرئيس وتياره. رغم ذلك اختلف الحزب مع التيار على تسمية رئيس الحكومة بعد سقوط حكومة حسان دياب، ووقف الحزب مع حركة أمل داعماً عودة سعد الحريري ومن بعده نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة.
خلال مفاوضات تشكيل الحكومة، وقف حزب الله موقف محايد لا داعم للرئيس بموضوع حصته الوزارية، وصدر عن قيادات الحزب مواقف مستغربة تبرر عدم اعطاء وزارة الداخلية للرئيس ومواقف أخرى تساوي بين مطالب الرئيس وعنتريات الرئيس المكلف وتطالب ب “تنازلات متبادلة” كما صرّحت قيادات الحزب.
تفاقمت المشاكل بين الطرفين مع قرار وزير العمل فتح المجال للفلسطينيين لأخذ وظائف كانت ممنوعة على غير اللبنانيين وهذا نوع من أنواع التوطين الذي يرفضه التيار ويعتبره من المسلّمات الغير قابلة للكسر، وأتى قرار المجلس الدستوري باللاقرار امام معضلة تعدّي نبيه بري على المناصفة الدستوري وأكثرية ال٦٥ نائباً الالزامية دستورياً وإسقاط حق المنتشرين بالدائرة رقم ١٦ مع حقهم بالترشح والاقتراع للنواب الست فطار البند القانون وساروا بتعديل للقانون بدون اكثرية دستورية وبتواطؤ العضوين الشيعيين في المجلس الدستوري ما شكّل فاجعة بالنسبة للتيار عبّر عنها رئيس التيار جبران باسيل مع امتعاض كبير ومواجهة علنية بالاعلام بعد تراكم العتب بالكواليس.
جبران باسيل نفسه الذي تحمّل وتياره عقوبات اميركية مباشرة بسبب رفضه طرح الاميركيين بكسر تفاهم مار مخايل وإعلان الطلاق مع الحزب بالاضافة للموافقة على الشروط الاميركية بالنسبة لملف الحدود وملف التوطين وصفقة القرن …
تفاهم مار مخايل كان قد وُصف بالزواج الماروني لسنوات طويلة رغم المشاكل المتراكمة، للقول بألا وجود للطلاق بعلاقة الطرفين، لكن “بُطلان الزواج الماروني” يصبح واقعاً اذا ثبُت أنّ الزواج بُني من أساسه على باطل ولا إمكانية ل”بناء الدولة” الذي يعتبره التيار أحد أهم بنود ورقة التفاهم التي لم تنفّذ بعد.
لا نية للطلاق ولا نية لبطلان الزواج عند الطرفين، لكن النوايا وحدها لا تستطيع تحصين العلاقات، لذلك يقوم الطرفان بالسعي لتطوير التفاهم السابق وبناء أسس متينة للعلاقة مع تصوّر واضح للمرحلة المقبلة وتحدياتها، على “أمل” ألا تكون حركة “أمل” عقبة أمام ذلك بعد الآن، فبناء الدولة وفرض الاصلاحات المالية والاقتصادية وتطوير النظام وتطبيق اللامركزية الادارية والمالية ووضع أسس للدولة المدنية المرجوة من خلال قوانين موحدة للاحوال الشخصية وفتح المجال للزواج المدني الاختياري ومجلس الشيوخ وغيره من الملفات أصبحت من الضرورات التي لا يمكن تأجيلها او اهمالها وتأجيلها لزمن غير منظور.
يقف الطرفان اليوم امام استحقاق نيابي تليه استحقاقات أخرى منها الرئاسي ومنها المرتبط بالصيغة ونظام الحكم، فهل ينتج عن حوارهما الحالي اتفاقاً وتوافقاً على مواجهة التحديات المقبلة يداً بيد أم ينهار هيكل التفاهم على الجميع ونصبح في المجهول؟ انه الامتحان الأصعب

