Site icon Lebanotrend

بارو صارح المسؤولين: الدعم مشروط بتسليم السلاح والوقت ينفد!

ندى أندراوس: المدن – 

ليس تفصيلاً أن يكون لبنان البلد الذي خصّه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو بأكبر عدد من الزيارات. ففي زيارته الرابعة إلى بيروت، كشفت معلومات خاصة حصلت عليها “المدن” من مصادر فرنسية مواكبة، أن باريس تتعامل مع الملف اللبناني كأحد أكثر الملفات إلحاحاً، في ظل تراكم أزماته الداخلية مع تحولات إقليمية دقيقة ومفتوحة على سيناريوهات غير محسومة.

المصادر أشارت إلى أن المباحثات التي أجراها رأس الدبلوماسية الفرنسية مع المسؤولين اللبنانيين دخلت في تشخيص مباشر لمخاطر المرحلة التي يمر بها لبنان. ورغم أن الزيارة جاءت ضمن جولة شملت العراق وسوريا، إلا أن محطة بيروت بدت الأكثر حساسية، مع تضاؤل هوامش المناورة وإزدياد القناعة الفرنسية بأن عامل الوقت بات عنصراً حاسماً لا يسمح بالمراوحة أو بإدارة الأزمة بالحد الأدنى، فيما يُطرح مستقبل لبنان عملياً على المحك، بحسب ما نقل بارو في مباحثاته.

مؤتمر دعم الجيش: “خلافاً لما يُروَّج”

في صلب مباحثات وزير الخارجية الفرنسي، كان مؤتمر دعم الجيش حاضراً بقوة. ووفق المصادر، فقد أبلغ بارو المسؤولين أن نحو خمسين دولة أكدت لفرنسا مشاركتها في المؤتمر ونيتها المساهمة في دعم الجيش، خلافاً لما يتم الترويج له عن تراجع أو انسحاب محتمل من المؤتمر. “التحضيرات مستمرة، ولا يوجد أي موقف رسمي من أي جهة، ولا سيما من الدول المؤثرة، يفيد بالانسحاب من المشاركة، سواء الولايات المتحدة أو السعودية أو غيرهما”.

الوزير الفرنسي أوضح أن طبيعة الدعم قد تختلف بين دولة وأخرى. هناك دول ستقدم دعماً مالياً، وأخرى ستقدم دعماً عينياً يشمل العتاد والآليات وبرامج تعاون، على أن تكون حاجات الجيش وأولوياته هي الأساس في تحديد نوعية المساعدات، في ظل الأعباء والمهام المتزايدة الملقاة على عاتقه. كما أن الاجتماع التحضيري الذي يسبق المؤتمر سيبلور الصورة بشكل أوضح.

الدعم المشروط وحصر السلاح

المصادر الفرنسية كشفت أن ما نقله بارو كان واضحاً: “حصر السلاح وتقديم الدعم للجيش مساران مترابطان”. فالتوافق على عقد مؤتمر دعم الجيش جاء نتيجة إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح، ويُفترض أن يكون دعم الجيش مرتبطاً باستكمال المرحلة الثانية شمال الليطاني. والوزير الفرنسي شدد على هذا الربط.

مع العلم أن فرنسا تعي صعوبة هذا المسار، وتتفهم حرص لبنان بقياداته وجيشه على الاستقرار الداخلي، وعلى إتخاذ خطوات دقيقة لاستعادة الشرعية. إلا أن الرسالة الفرنسية، وفق المصادر، حاسمة: “المراوحة وإضاعة الوقت لا يجديان، وعلى حزب الله أن يقتنع بأن تسليم سلاحه والركون إلى حضن الشرعية يشكلان ضمانة له بالدرجة الأولى، وأن اللعب بالوحدة الداخلية بات خطراً على الجميع.” هذا ما قاله بارو بصراحة لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ولرئيسي مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام.

نعم، اللقاءات مع رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة مهمة. لكن ماذا عن لقاء عين التينة مع “الأخ الاكبر الذي يتحدث باسم السلطة السياسية وباسم الثنائي ؟”

تجيب المصادر على سؤال “المدن”: “بطبيعة الحال، إن اللقاء مع الرئيس بري كان مهما، واللافت أنه أكد لوزير الخارجية على قرار الحكومة بحصر السلاح، لكن مع التشديد على موقف لبنان ومطالبته المستمرة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب الإسرائيلي، واعادة الاسرى. مضيفا أن لبنان قام بما عليه، ومتسائلاً عن كيفية مطالبته بالتزامات إضافية شمال الليطاني، أو على أي مستوى آخر في ظل إستمرار هذا الواقع”. أكثر من ذلك، كشفت المصادر للمدن أن الرئيس بري وعندما أشار الوزير الفرنسي إلى تطلع بلاده إلى أهمية إحترام لبنان الاستحقاقات الدستورية، أجاب بشكل قاطع أن الانتخابات النيابية ستجري في موعدها.

فصل المسارات

في ما خص التفاوض مع إسرائيل، لفتت المصادر الفرنسية لـ”المدن” إلى أن الوزير بارو كان حريصاً على الفصل بين دور الميكانيزم وعملها التقني، وبين المسار التفاوضي السياسي الذي تقوده الولايات المتحدة، ولا سيما في ما يتعلق بتنفيذ البند 13 من إتفاق وقف الاعمال العدائية. ما نقله بارو بحرفيته أن المهم بالنسبة إلى فرنسا هو الحفاظ على الميكانيزم ودورها، حتى لو جرى تطعيمها بمدنيين أو دبلوماسيين، من دون إدخالها في مسار التفاوض الذي يحدد مصير العلاقة بين لبنان وإسرائيل.

إذ إن باريس مقتنعة بأن التفاوض حول مستقبل العلاقة بين البلدين يجب أن يتم خارج إطار الميكانيزم، سواء إنتهى بالعودة إلى هدنة العام 1949، أو باتفاق أمني جديد، أو بإعادة إحياء مسار تفاوضي شبيه بما حصل في العام 2022 حول النقاط ال13 المتنازع عليها على الخط الأزرق، أو حتى بخيارات أوسع مثل الانضمام إلى إتفاقات أبراهام. أما دور اللجنة، فمحصور بمراقبة آلية تطبيق وقف الأعمال العدائية وفق الاتفاق، وليس تقرير مستقبل العلاقة بين الطرفين.

الإصلاح المالي وقانون الفجوة

إقتصادياً، تركز المقاربة الفرنسية، على قانون الفجوة المالية، الذي ترى فيه باريس خطوة إلى الأمام، رغم تأخرها. ووزير الخارجية الفرنسي أكد في مباحثاته اللبنانية أن هذا القانون أساسي للمرور إلى صندوق النقد الدولي، ولإدخال لبنان في مسار شروط الصندوق وفق المعايير التي يراها الأخير الأفضل.

وكشفت المصادر أن النقاش مع المسؤولين اللبنانيين تناول كيفية تفسير القانون لمسألة إسترداد أموال المودعين، والمراحل التي يمر بها منذ إقراره في مجلس النواب وصولاً إلى التفاوض مع صندوق النقد الدولي، بما يتلاءم مع حقوق المودعين من جهة، وشروط الصندوق من جهة أخرى. وفي هذا السياق، نقل بارو رسالة واضحة مفادها أن “الوقت ليس لصالح لبنان، وأن وضع الأمور على سكة الإصلاح يشكل بداية جيدة بعد ست سنوات من الانهيار، خصوصاً أن ثلاثة قوانين سبق أن أُقرت قبل قانون الفجوة المالية، وتأمل فرنسا أن تسلك جميعها الأطر السليمة في التطبيق.”

ورغم الصورة القاتمة، أكدت المصادر أن فرنسا لم تسقط من حساباتها الاستمرار في التحرك لحشد الدعم الاقتصادي للبنان، وتشجيع الاستثمار في نهوضه، والمساهمة في إعادة الإعمار متى توافرت الشروط المطلوبة.

سوريا: ليونة ومقاربة جديدة للنازحين

في ما يخص سوريا، كشفت المصادر الفرنسية أن الأجواء التي نقلها بارو من دمشق كانت إيجابية نسبياً. “فهناك ليونة في المواقف، وعناوين المرحلة المقبلة بين البلدين بدأت بملف المساجين، حيث ترك توقيع الاتفاقية أثراً إيجابياً في سوريا، ليليه ملف ترسيم الحدود، علماً أن فرنسا كانت قد سلمت لبنان خرائط تعود إلى زمن الانتداب، وصولاً إلى ملف عودة النازحين.”

في هذا الإطار، أكدت المصادر أن المقاربة الفرنسية والدولية في ما خص عودة النازحين قد تغيّرت، وهذا ما عكسه كلام وزير الخارجية جان نويل بارو. إذ ترى باريس أن الوضع في سوريا تبدل، وأن فرص العودة أصبحت أكبر ضمن شروط طوعية وكريمة. وهو نقل نية سورية للتعاون مع لبنان في ملفي الترسيم والنازحين.

رأس الدبلوماسية الفرنسية إختتم رسائل إدارته، كما كشفت المصادر لـ”المدن”، بالتأكيد على ضرورة إحترام لبنان مواعيده الدستورية وإستحقاقاته، وإجراء الانتخابات النيابية في موعدها، وتطبيق القوانين. ففرنسا ترى أن أي إخلال بهذه الالتزامات سيضع لبنان أمام مرحلة أشد خطورة، في بلد لم يعد يحتمل مزيداً من الانتظار وسط منطقة مفتوحة على إحتمالات صعبة.