لطالما حلا للرئيس العماد ميشال عون أن يرفع شعار “على كل طائفة أن تكون بعداً لبنانياً في الخارج لا بعداً خارجياً في لبنان”. ففيه عمق تاريخي في استخلاص التجارب الفاشلة لا بل الكارثية لتحالفات قوى سياسية تمثل الطوائف مع قوى إقليمية ودولية ذات نفوذ في لبنان، وتستغل الإرتباطات في الدين والعقيدة لمصالح سياسية وجيو – استراتيجية. سبق ودفعت المسيحية السياسية ثمن التحالف القاسي مع إسرائيل في حرب الجبل 1983، كما دفع السُنة ثمن حماية المنظمات الفلسطينية المسلحة في لبنان، فكانت النهاية في استباحة بيروت من قبل الميليشيات بعد عام 1982 وتحكُّم زعران الأحياء بالعاصمة وأهلها، وصولاً إلى الثمن الذي دفعه كل من تحالف مع النظام السوري وبرّر احتلاله، بعدما خرج في شكل دموي عام 2005 نتيجة لضغط دولي ونضال طويل قاده التيار الوطني الحر خاصةً، وانضمت إليه قوى أخرى تدريجياً في العام 2004.
المثل نفسه ينسحب اليوم على الثنائية الشيعية وتحديداً على حزب الله الذي قادته “حرب الإسناد” إلى كارثة لم يبرأ منها لبنان حتى الساعة. وإذا كان مفهوماً أن التهديد الأميركي لإيران ومرشدها لا يؤدي إلى الإستقرار بطبيعة الحال، فإنَّ مصلحة لبنان الذاتية البحت وبمختلف مكوناته، لا يمكن أن تتحقق بانزلاقٍ عسكريٍ جديد مهما كانت المبررات والذرائع.
هنا تتظهر أهمية التمسُّك بالبعد اللبناني الإستقلالي الذاتي، كمصلحة وسقف حامٍ لجميع اللبنانيين. تعتقد قوى الطوائف للحظة أن التحالفات العضوية بالخارج ستحميها، وغالباً ما يكون ذلك مترافقاً مع صعود قوة هذه الدولة أو تلك، لكن في لحظة الإنحدار والتراجع ترى هذه الطوائف نفسها مكشوفة تماماً، ومن هنا تتصاعد فيها دعوات “اللبننة”، الإضطرارية. هذه الخلاصة، لم تتحقّق للأسف إلا بعد دفع أثمان باهظة، وقد يتطلب ذلك اكتمال دورتها على كل الطوائف الحاكمة، كي تتعلم وتستفيد من التجربة، ولكن “من كيسها” وليس “من كيس غيرها”.
في هذا الإطار، يبرز تفرّد التيار الوطني الحر منذ تشكله كحالة شعبية – سياسية في العام 1989، بخطاب “اللبننة” المحصورة في حدود لبنان وال10452 كلم مربع. بقدر ما يعبّر ذلك عن قناعة سيادية حقيقية وسلوك متأصل في “جينات” “التيار”، بقدر ما هو خلاص للجميع، والسقف الحامي الذي لا يمكن أن تتجاوزه أي طائفة، وأحداث الأعوام الأخيرة خير دليل إلى ذلك وإلى محورية كل ما نادى به “التيار” من التزام لبنان ومسار بناء الدولة.
• رئيس تحرير tayyar.org

