Site icon Lebanotrend

السّلطة الرّابعة: التّحليل والحقيقة مقابل التّحلّل والكذب (جومانا ناهض)

منذ تفرّعت السّلطات مع بناء بعض الدّول، كان هناك اهتمام كبير بالصّحافة والإعلام فتمّ اختيار هذا القطاع تحت تسمية السّلطة الرّابعة في الدّولة.
ولبنان له في هذه السّلطة حصّة الأسد، فلطالما كانت الصّحافة سلطة لا تشوبها شائبة. لقد لعب الصّحافيون في أزمات لبنان دورًا رياديًّا في محاولة نقل كلّ ما يحصل من حرب وتنكيل واستيلاء من قبل الدّول المحتلّة. وما كانت الصّحافة مجرّد قلم يكتب ما تراه العين، فقد تمتّع الصّحافيّون اللّبنانيّون ببراعة في تحليل الأوضاع وفي الضّغط أحيانًا على بعض السّياسيّن والقياديّن لتغيير خطط كانوا قد أعدّوها ولم تكن لمصلحة الوطن.
لعبت الصّحافة دومًا دورًا مميّزًا والأهم الصّدق الّذي تعاملت به مع القرّاء. ووصلت أهميّة الصّحافة والخوف من كلمة الصّحفيّين الحقّة الحدّ بتعليق المشانق لهم لأنّهم لم يرضوا بإذلال كلمتهم ولا بالتّزلّف إلى فلان وعلتان.
كانت الصّحافة لسنوات مرّت “بيضة القبّان” في السّياسة. لم تخضع، لم تضعف، لم تُشترَ ولم تُبَع. حتّى أنّ بعش الشّخصيّات السّياسيّة، الدينيّة أو المجتمعيّة كانت تختار أسماء معيّنة من الصّحافيّين لإعلان خبر مهمّ أو خطوة وطنيّة لأنّها تعرف أنّ الخبر سيسلك مسارًا شفّافًا للوصول إلى القرّاء.

ولكن التّغيّر الّذي صار فجأة لم يكن في الحسبان. فقد حصل انهيار فجائي في عالم الصّحافة والإعلام انكسرت معه هيبة هذه السّلطة.
ففي البداية، دخل في عالم الإعلام القاصي والدّاني، ممّن درس الإعلام وتعمّق في الخبرة إلى من لا يعرف عن الإعلام سوى مقابلة شخصيّات معروفة.
لقد تحوّلت معظم الصّحافة في السّنوات، إلى “صحافة صفراء” تصدق قيد أنملة، أمّا ما تبقى من مواضيعها فهي أخبار مختلقة أو من مصادر غير موثوقة. لقد اتّجهت الصّحافة والإعلام، من خلال معظم العاملين في المجال إلى مصدر للتّلفيقات وللأكاذيب لأنّ عددًا كبيرًا منهم وضع نفسه تحت رحمة ذاك السّياسيّ أو ذاك وصار هدفه تلميع صورته بالرّغم من سوداويّتها.
لقد أخضع بعض الصحافيّين أنفسهم وأصبحوا عبيد المال يرشدهم في توجّهاتهم وتحليلاتهم الّتي لا تنتمي إلى التّحليل بشيء.
غابت معظم الحقائق واستبدلت بتلميع الصّور وكسب المودّة وإعلاء من لا يستحقّ للعلوّ وصولًا، فبات عمل الصّحافي كتابة كلام لا يهمّ النّاس ولا يُصلح في الخراب شيئًا.
لم نعد نسمع تحاليل بنّاءة لمؤتمر، لاجتماعات أو لقاءات أو لخطط إنّما تنبّوءات وتلاميح بعيدة كلّ البعد عن الحقائق. وقد ساهمت هذه التّحاليل في زيادة الشّرخ بين المواطن والمسؤول وفي زرع الحق وصولًا أحيانًا إلى أن تكون الشّرارة الأولى لأزمات كبيرة.
ما النّتائج الّتي ننتظرها من صحافيين تسيّرهم آراؤهم الشّخصيّة بسياسيّ ما فيديرون ظهرهم خلال مؤتمر له أو يطرحون أسئلة من عالم الغيب والّتي يعرفون مسبقًا أنّ لا أساس لها؟
وماذا ننتظر من صحافيّ يعتمد في تحاليله على أزياء الشّخصيّات وعلى ابتسامتهم؟ أو آخر يعتمد في أسئلته على القيل والقال بدون التّأكّد من مصادره.
لقد أصبح معظم الإعلام في الحضيض. لقد غابت الحقيقة وسيطر الكذب. لقد باع الكثيرون قيمهم ووطنيّتهم متناسين أنّهم سلطة يجب أن تُحاكِم لا أن تُحاكَم.
نأسف لما وصل إليه الإعلام، على أمل أن تعود لرفع شعار الحقيقة.
وفي النّهاية لا بدّ من تهنئة ما تبقّى من إعلام نظيف وصادق، وسلام لكلّ صحافيّ تمسّك بقيمه وبضميره وحافظ على صفحات بيضاء في مسيرته الإعلاميّة.

*جومانا ناهض