بيروت 26/11/2025
قداسة الحبر الأعظم البابا لاون الرابع عشر
مذكرة
مقدَّمة من: التيار الوطني الحر
تحية واحترام،
إنّ زيارة قداستكم للبنان تشكّل بالنسبة إلينا بركةً دينية لبلد الأرز ودعماً سياسياً ومعنوياً كبيراً وتذكّرنا بزيارة أسلافكم، وخصوصاً البابا القديس يوحنا بولس الثاني في 10 و11 أيار 1997 والذي أعلن خلالها مقررات السينودس من أجل لبنان، والتي شكلت منعطفاً في مسار وطننا وأسَّست لتحولات كبرى وأعقبها تحرير معظم لبنان من الاحتلال الإسرائيلي العام 2000 وانسحاب قوات الوصاية السورية العام 2005 وعودة القيادات المسيحية إلى العمل السياسي الفاعل في لبنان.
صاحب القداسة،
أنتم تعلمون أنّ وطننا عانى ولا يزال جروحاً وصعاباً وتحديات متمادية، حيث لا يزال جزءٌ من أرضه تحت الاحتلال الإسرائيلي وتوسعت رقعة هذا الاحتلال في الحرب الأخيرة العام 2023، ويتحمّل منذ العام 1948 وبعد العام 1967 ولا يزال أعباء وجود اللاجئين الفلسطينيين الذين يقارب عددهم الخمسماية ألف نسمة، ومن الواضح أنّ حقَّ عودتهم إلى أرضهم والمكرَّس بموجب القرارارت الدولية يصطدم برفض إسرائيل عودتهم وتعثّر إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وأضيفَ إليهم في أعقاب انطلاق شرارة الأحداث في سوريا دخول نحو مليوني نازح سوري ولا يزالون فيه على الرغم من سقوط النظام السوري السابق وتحسّن الأوضاع في سوريا وانتفاء كلّ أسباب نزوحهم، علماً بأنّ لبنان ليس بلد لجوء كونه لم ينضمّ إلى المعاهدات الدولية المتعلقة باللجوء، وتنصّ مقدّمة دستوره صراحةً على رفض التوطين.
وغنيّ عن البيان أنّ التواجد الفلسطيني والسوري في لبنان يشكل ثقلاً كبيراً على لبنان سواء من حيث المخاطر الأمنية أو الأعباء الاقتصادية أو منافسة اليد العاملة اللبنانية أو الكثافة السكانية ومخاطر هائلة على التوازنات الديمغرافية الدقيقة، ولا سيما أنّ التواجد الفلسطيني والسوري يشكل نحو نصف عدد المواطنين اللبنانيين المقيمين مما يضرب التوازن الديمغرافي الدقيق القائم في وطننا.
وفوق ذلك يعاني لبنان تحديات يومية من جرّاء التهديدات الإسرائيلية المتواصلة والانتهاكات لسيادته من خلال الغارات والضربات والإغتيالات التي تقوم بها اسرائيل في لبنان بصورة شبه يومية، وهي أعمال تشكّل انتهاكاً لسيادة لبنان ولأمنه ولسلامه وتعرِّض استقراره للسقوط واقتصاده للتعثّر وسياحته للإحباط وشعبه للقلق وللهجرة.
لا يزال وطننا يدفع غالياً ثمن غياب السلام العادل والشامل والدائم في الشرق الأوسط ولا يزال تحت نير التهديد الإسرائيلي، إضافة الى تواجد مجموعات مسلّحة ومتطرّفة منتشرة على حدوده الشرقية والشمالية من جهة سوريا، وهي كانت سابقاً قد اعتدت على جنود الجيش اللبناني وضباطه واحتلّت اراضٍ لبنانية واسعة على مدى سنين عدة قبل أنْ يتمّ تحريرها. وفي الوقت عينه يرزح تحت تأثير الضغوط الإسرائيلية والغربية لمنع تسليح جيشه التسليح الكافي الذي يمكّنه من مواجهة المخاطر الإسرائيلية والارهابية، وهو ما يدفع قسماً من شعبه إلى التمسك بسلاح يحوزه خارج إطار القوات المسلحة اللبنانية الرسمية وتحت عنوان “المقاومة” في مقابل رفض لهذا السلاح من جانب قسمٍ آخر من شعبنا، وفي ظلّ غياب استراتيجية أمن قومي تعالج المسألة، فيما نحن نؤيّد حصرية السلاح بيد الدولة لكي تكون هي قويّة وقادرة على حماية وطننا وشعبه.
وقد أدت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان إلى تدمير كلي أو جزئي لآلاف المباني والمساكن في جنوب لبنان وبقاعه وعاصمته وتشريد اهاليهم، ما خلق أزمة اجتماعية ووطنية داخل البلاد تُضاف الى سلسلة أزماتنا.
وفي ما خصّ الأوضاع الاقتصادية والمالية، تعرَّضَ لبنان لأزمة مالية ونقدية العام 2019 أفضت إلى انهيار دراماتيكي لقيمة عملته الوطنية وإلى حجز واقعي وفعلي وغير قانوني لودائع اللبنانيين والعرب والأجانب في المصارف اللبنانية بفعل مؤامرات أجنبية واختلالات داخلية متراكمة وحصار غير معلن سياسياً واقتصادياً على لبنان، ولا زالت هذه الأزمة بلا حلّ لغاية اليوم وكانت سبباً لجولات هجرة إضافية للشباب اللبناني.
صاحب القداسة،
لقد تعرَّضَ المسيحيون عبر العصور لاضطهاد متواصل في الشرق وشهدت السنوات المنصرمة منذ اندلاع “الربيع العربي” جولات تهجير جديدة وواسعة للمسيحيين في سوريا والعراق حتى تضاءلت أعدادهم إلى حدود الضمور، فضلاً عن اقتراب امحائهم من فلسطين. أما في لبنان فتراجع الحضور المسيحي بفعل الهجرات المتأتية من الحروب المتكررة والأزمات الاقتصادية المتناسلة والتحديات المحيطة والجاثمة، ولكنه لا يزال حضوراً جاداً وبالإمكان البناء عليه وتعزيزه واستعادته خاصةً إذا تمّ إشراك الانتشار اللبناني الوازن في كل أنحاء العالم، والذي لا يزال الحضور المسيحي فيه فاعلاً، خصوصاً أنّ النظام السياسي في لبنان على الرغم من الملاحظات التي يستدعيها، يضمن لهم مشاركة جادة، ولا ريب أنّ ضمور الحضور المسيحي في لبنان يعني زوال الوجود المسيحي في الشرق.
إنّ الوجود المسيحي الفاعل في لبنان هو الذي دفع البابا القديس يوحنا بولس الثاني للقول: إنّ لبنان أكثر من وطن إنّه رسالة حرية وتنوع. لذلك، نتطلع للفاتيكان لدعم وجود مسيحي فاعل، منفتح وتشاركي ومتناصف في الدور سواء على مستوى السلطة والادارة أم على مستوى كل اوجه المجتمع.
صاحب القداسة،
نغتنم زيارتكم التاريخية والمباركة إلى وطننا لنرفع لمقامكم السامي المذكرة الحاضرة، ونعبّر لكم عن موقفنا كحزب وطني لبناني، ويناضل منذ نشأته من أجل سيادة لبنان واستقلاله ووحدته، ومن اجل وجود مسيحي حرّ وفاعل وكريم فيه، من القضايا المطروحة كما يلي:
1- لم تتمكّن الدولة اللبنانية/السلطة اللبنانية من تحرير الأرض ولا إعادة النازحين السوريين إلى بلادهم ولم تجد حلاً لأزمة الودائع المصرفية ولا حققت استقلالية السلطة القضائية ولا أوقفت الانتهاكات الإسرائيلية المتلاحقة ولا واجهت الفساد ولا أعادت الخدمات العامة من مياه وكهرباء، ولا تمكّنت من إعادة إعمار الجنوب اللبناني ولا تمكنت من إيجاد حلّ مقنع ومرضٍ لترجمة حصرية السلاح من ضمن استراتيجية أمن قومي وعلى قاعدة حفظ مقومات قوة لبنان في وجه اسرائيل والإرهاب، كما أنها تصرفت في المسائل الداخلية بكيدية وخصوصاً في الإدارة العامة وفي القضاء بحق معارضيها (وبحق مناصري التيار الوطني الحر).
2- إنّ تنفيذ القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي هو ضرورة وطنية، ولكن ما يعيقه بحسب قيادة الجيش اللبناني هو استمرار اسرائيل باحتلالها وبانتهاكاتها وخرقها لاتفاقية وقف إطلاق النار، الأمر الذي يوجب على المجتمع الدولي وعلى الفاتيكان الضغط على اسرائيل من أجل سحب قواتها المحتلة من لبنان والامتناع عن الاعتداء عليه وعلى أجوائه وعلى مياهه.
3- إنّ حصرية السلاح بيد الدولة باتت مسألة تحظى بتأييد أكثريّة اللبنانيين وقد أكدته الحكومة المشتملة على تمثيل أمل وحزب الله، ولكن هذه الحصرية يجب أن تتم ضمن استراتيجية أمن قومي تحافظ على مكامن قوة لبنان في وجه مخاطر اسرائيل والإرهاب، كما بتأمين قرارات امميّة تؤمّن تحييد لبنان عن صراعات المحاور والدول، وأقلّها ضمانات دوليّة تضمن حمايته من اي اعتداء متأتٍ عليه من جانب اسرائيل او الإرهاب، وهو ما يدفعنا إلى مناشدة قداستكم السعي مع المجتمع الدولي من أجل الضغط على اسرائيل لاستكمال انسحابها الكامل والشامل من الأراضي اللبنانية وتحرير الأسرى اللبنانيين ووقف تهديداتها بإقامة اسرائيل الكبرى التي تشمل أجزاء من لبنان، وكذلك من أجل تسليح الجيش اللبناني بالسلاح الذي يمكّنه من الصمود والدفاع بوجه أيِّ عدوان على لبنان، أما السلاح في المخيمات الفلسطينية فيجب معالجته بطريقة جديّة بتسليمه كاملاً للجيش اللبناني.
4- إنّ الاقتراحات المتعلقة بإقامة شريط حدودي في جنوب لبنان خال من السلاح ومن الأهالي تشكل اعتداءً على لبنان وعلى أرضه وعلى كرامته وتدخلاً فظاً في شؤونه الداخلية، ونناشد الفاتيكان الوقوف في هذا الخصوص مع لبنان، وكل ما يحصل اليوم من مناطق مشبوهة او حائط اسمنتي يتم بناؤه هو اعتداء صارخ على السيادة الوطنية.
5- إنّ الأوضاع في سوريا شأن داخلي سوري، ولكن نناشد الفاتيكان العمل على إزالة أيّ تهديدات تأتي من بعض المنظمات السورية المتطرفة ضدّ لبنان والضغط القوي من أجل إعادة النازحين السوريين المقيمين في لبنان إلى ديارهم فوراً والكشف عن مصير الأسرى والمفقودين اللبنانيين في السجون السورية وضبط الحدود والتعاون الأمني والعسكري والقضائي.
6- إنّ مقترح الرئيس الأميركي باستحداث منطقة إقتصادية على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية لا يزال غامضاً ويمكن الأخذ به إذا أتى من ضمن مشروع سلام متكامل يضمن الحقوق الكاملة للبنان وللأطراف المتنازعة بحسب القوانين الدولية.
7- إنّ اللبنانيين لا يبحثون عن حروب، ولكنهم يرون أنّ السلام في المنطقة يمكن أن يتحقق إذا كان سلاماً شاملاً ودائما وعادلاً على قاعدة مبادرة القمة العربية في بيروت العام 2002 ومعادلة الأرض مقابل السلام، أي السلام مقابل انسحاب اسرائيل من الاراضي التي احتلتها العام 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف تطبيقاً للقرارات الدولية ولا سيما 242 والسماح بعودة الفلسطينيين إلى ديارهم تطبيقاً للقرار الدولي 194، والسلام بين لبنان واسرائيل يصبح طبيعياً عندما تقدم اسرائيل على الإنسحاب من كل الأراضي اللبنانية وعودة الفلسطينيين المقيمين على أرضه إلى بلادهم وتضمن عدم الاعتداء على لبنان وسيادته وتسمح باستغلال ثرواته المائية والنفطية والغازية واستثمارها.
8- ان السلام يتطلّب الحوار وهو ممكن على قاعدة حفظ حقوق لبنان ومصالحه، ولعلّ اتفاقية الهدنة 1949 هي الوثيقة الأفضل لتنظيم الوضع بانتظار السلام الشامل في المنطقة.
9- يحتاج لبنان إلى دعم المجتمع الدولي من أجل إعادة الإعمار ويتوجّب على لبنان الاصلاح الشامل ونتطلع إلى قداستكم من أجل حث دول العالم في هذا الاتجاه.
10- إنّ لبنان يعاني من تدخلات اجنبية من كل حدب وصوب في شؤونه الداخلية، ويشكل غياب استراتيجية
أمن قومي وضعف الدعم الدولي لتسليح الجيش اللبناني فرصة أمام الدول للتعاطي مباشرة مع الأحزاب اللبنانية ومدها بالمال في سبيل اهدافها السياسية.
11- يتطلع لبنان الى الفاتيكان من اجل دعمه في مساعي بعض الدول لإقامة مؤتمرات دولية بهدف دعم لبنان مالياً من اجل حل ازمة الودائع وحل مشاكله الاقتصادية والمالية والنقدية، ومن اجل اعادة اعماره وتأمين الخدمات اللازمة كافة لمواطنيه.
12- نتطلع الى دعم الفاتيكان في رفض اي خطوات او تدابير داخلية في لبنان يُشتَم منها جنوح بعضهم الى تهميش الدور المسيحي الفاعل والمتناصف في الحكم.
هذا ما اقتضى بيانه.
التيار الوطني الحر

