آلان عون خلال مناقشة الموازنة في مجلس النواب: ما يريده الناس هو حلول وقرارات توقف الانهيار وتنقذ القدرة الشرائية وتصحيح الرواتب وليس سجالات وشعبويات من دون بدائل
دولة الرئيس،
“أن تأتي متأخّرة أفضل من أن لا تأتي”…
معإنه غريب أن نحتاج لكل هذا الوقت لإقرار موازنة فهذا لا يمنع انها خطوة ضرورية ولو انها تدخل في إطار فنّ الممكن والحدّ الأدنى ولا ترتقي الا موازنة إصلاحية تترجم رؤية إصلاحية شاملة كما كان يجب أن يكون الحال بما أننا نعيش منذ ٣ سنوات أكبر إنهيار إقتصادي-مالي شهده لبنان وإذا أخذنا الأمور نسبياً، من أكبر ما شهده العالم ايضاً من أزمات.
دولة الرئيس،
ما هو مطلوب من الموازنة ان تحاكي الواقع، لا بل للدقّة أن تهرول وراء الواقع طالما أن هذا الواقع هو انهيار متدحرج وكل شهر تأخير يغيّر كل الارقام ويعيد النظر بتلك الموازنة.
وما نريده من هذه الموازنة ومما سيليها هو العودة التدريجية الى التوازن بين الإيرادات والنفقات ولجم العجز بشكل جذري ونهائي.
فصحيح أن مشكلتنا المالية والاقتصادية اليوم متشعّبة ولها كثيرمن المندرجات والأسباب ولكن احد اهمّ العناصر المؤثرة في انهيار الليرة وسعر الصرف هو ضبط الكتلة النقدية ووقف طبع العملة دون أن يستند هذا الطبع الى ذهب أو عملة صعبة (كما فيما لو اعتمدنا مجلس نقد) ومما لا جدل فيه هو أن عجز الموازنة ومصاريف الدولة هو أحد أكبر مصادر طبع العملة طالما ما زالت الدولة تنفق أكثر مما تجبي.
وبدل أن نقوم بإجراءات أساسية للجم انهيار الليرة مما يحافظ على القدرة الشرائية للمواطنين، يعتقد البعض بشعبوية انه بمنع مزيد من الايرادات على الدولة، هو يخدم المواطنين.
تعالوا نستعرض كيف إستفاد المواطنون خلال هل السنوات ال3 عندما نجح تحالف الشعبوية من جهة، وكارتيلات المصالح من جهة أخرى في تعطيل إقرار أي شيء لوضع حدّ لهذه الأزمة.
1- نبدأ أولاً، كيف استفاد المواطنون من عدم إقرار موازنة كان مفترض أن تبدأ عملية تخفيض العجزوطبع الليرة؟
وما يضرّ المواطنين أكثر؟ نظام ضرائبي عادل ومتناسب مع الثروات والأرباح يؤمّن التوازن للمالية العامة أم غياب موازنة وترك الفوضى المالية قائمة من دون سقوف لا للإنفاق ولا لطباعة العملة؟
ما هو البديل التي يطرحه من يرفض إقرار موازنة ولو بالحد الأدنى بما أننا في قعر الهاوية وأيادينا مكبّلة ومعظم خياراتنا محصورة بين السيء والأسوأ؟
كيف يمكن المجاهرة بتأييد برنامج صندوق النقد الذي يتضمّن اقرار موازنة كشرط اساسي وأوّلي للولوج اليه ثم رفض الموازنة بأعذار مختلفة، وحتى لو البعض منها محقّ ونتشارك بها، ولكن سؤالي للجميع: ألم يقتنع البعض أن الشعبوية والسياسة لم يعد لها مكان في زمن حسم المعالجات حيث الناس بحاجة لحلول وليس فقط لتقاذف إتهامات ومسؤوليات، أحياناً بحجة معارضة وموالاة، واحياناً أخرى بحجة حكومة ومجلس نواب….
الناس لم تعد تكترث للسجالات وما يهمها هو المعالجات وبدء مسار التحسّن والتعافي وهذا لن يحصل من خلال شعبويات مفرطة لن تروي غليل موظف لم يعد راتبه يساوي شيء، أو مريض يتسكّع على أبواب المستشفيات أو طالب عاجز عن دفع كلفة دراسته أو مودع قلبه محروق على جنى عمره…
ما يروي غليل الناس هو حلول، هو معالجات وهو تحمّل مسؤوليات…. بدل أن تبحثوا عن تسجيل نقاط سياسية، تفضلّوا وعدّلوا ما شئتم في القانون بدل أن تتحوّلوا حصراً الى حالات رفضية….
2- ونتابع ثانياً، كيف استفاد الناس من شلل القطاع العام بسبب عدم توفرّ موازنة كافية أو حتى موازنة بالمطلق ولا إمكانية تصحيح للأجور ولا مصاريف تشغيلية كافية ولا خدمات صحية أو إجتماعية مقبولة بدل أن تكون الإدارات في وتيرة عمل قصوى لإنهاء معاملات الناس والشركات ومساعدة ومؤازرة الناس في هذه الأزمة القاسية؟
الم يتضرّر المواطنون من إستمرار العرقلة في معاملاتهم حيث لا موظفين لإنهائها؟
الم تتضرّر الشركات والإقتصاد من عرقلة أعمالها بحكم الشلل الإداري المستفحل؟
الم يتضرّر المواطنون من شحّ الباسبورات وإنعكاس ذلك على مصالحهم وضرورة حركتهم من والى لبنان؟
الم يتضرّر طلاب الجامعة اللبنانية من الخلل الذي يصيبها جراء انهيار موازنتها وبدل أن نشهد إقبالاً كبيراً عليها في خضم الأزمة المالية، نشهد نزوحاً طلابياً نحو الجامعات الخاصة خوفاً من خسارة سنوات علمهم؟
الم تتضرّر المؤسسات العسكرية والأمنية من عدم إمكانية كفاية عسكرها وتحوّلهم الى مجاهدين من أجل لقمة عيشهم في أعمال جانبية على حساب الصرامة والمهنية العسكرية؟
الم يتضرّر المواطنون من عدم قدرة وزارة الصحة على تأمين رعاية صحية كافية لعدم وجود موازنة كافية لها في زمن يحتاج فيه المواطن الى أي دعم للأدوية أو للإستشفاء؟
الم يتضرّر المواطنون من عدم قدرة وزارة الشؤون الإجتماعية على تأمين رعاية إجتماعية لعدم وجود موازنة كافية لها في زمن زيادة نسبة الفقر بأرقام قياسية؟
الم يتضرّر المواطنون من عدم قدرة بلدياتهم على القيام بخدمات محلية ضرورية بسبب شحّ أموالها وإنهيار قيمة جباياتها؟
الم يفهم البعض أنه بالشعبوية التي يعتقدون أنهم يكسبون إعجاب الناس بها هم حقيقة يمدّدون معاناتهم لأن المعالجات المطلوبة هي جوهرية وشاملة وذات مردود عام إيجابي وإن مرّت بقرارات غير شعبية أحياناً،
بينما عدم أخذ اي قرار بحجة حماية الناس هو ترك العجز يكبر والليرة تنهار أكثر والإقتصاد يتراجع أسرع….
هذه هي الخيارات التي أمامنا جميعاً…. هل تريدون مزيد من المراوحة واللاقرار والتهرّب من المسؤولية والخضوع للشعبوية،
أم يجب أخذ القرارات الضرورية والحاسمة لوقف الانهيار أولاً وتثبيت الإستقرار ومن ثم بدأ التحسّن والتعافي.
لا أحد منّا أفراد أو أحزاب مهما على شأننا يمكنه أن يحلّ مكان الدولة وقدرتها ولذلك علينا إعادتها الى الإنتظام والتوازن المالي كمدخل اساسي للخروج من الأزمة التي نتخبّط فيها.
3- ونتابع ثالثاً، كيف استفاد اللبنانيون من عدم رفع تعرفة الكهرباء بحجة التخفيف عنهم في ما هم أصبحوا بلا كهرباء اطلاقاً؟
بالإضافة الى تسببها بخسائر متراكمة طوال كل تلك السنوات وبكونها مساهم اساسي في الإنهيار المالي وفي إنقطاع الكهرباء حالياً لعدم توفّر إمكانية شراء فيول، ولو تناولنا المشكلة فقط اليوم: كيف يبرّر البعض رفض زيادة تعرفة كهرباء الدولة بحجة التخفيف عن المواطنين فيما هو يرمي بهم الى فواتير المولدات التي تحرقهم!؟
اليس افضل تشغيل معامل الإنتاج الموجودة والتي تصل الى 14 ساعة إنتاج وأن يدفع المواطن ثمن تلك الساعات بكلفتها الحقيقية والذي هو على الأقل نصف ما يدفعه لتأمين كلفة تلك الساعات لدى المولدات؟
وهل يمكن لأي مواطن أن لا يدفع فاتورة المولّد مهما كان سعرها؟ لماذا ما هو مقبول للمولدات، نرفضه للدولة؟
أما بعد، لماذا لا يخصصّ مبلغ يدعم قروض للطاقة الشمسية لزيادة إنتشارها والتخفيف عن شبكة الإنتاج وعن استيراد الفيول مع المردود الإيجابي لذلك على ميزان المدفوعات لاحقاً؟
4- نتابع رابعاً، الم يتضرّر المواطنون والمودعون من عدم إقرار قوانين الكابيتال كونترول وإعادة هيكلة المصارف وخطة التعافي؟
الا نعيش اليوم إستناسبية في التعاطي مع المودعين تظلم الكثيرين وتنصف القليلين وهل هذه الحال أفضل من ضوابط توضع على الجميع بشكل موحّد؟
الم يكن أفضل أن نضع ضوابط لتحويل العملة الوطنية لتخفيف الطلب على الدولار لتجنّب المزيد من إنهيارها؟
الم يكن أفضل أن تنجز تلك القوانين وتنتهي إعادة هيكلة المصارف وتوزيع الخسائر بدل الإستمرار في إستنزاف ودائعهم من خلال ما تبقى من إحتياطي في مصرف لبنان من جهة، ومن تسديد كبار القروض التي ترتفع الى ملايين الدولارات ب15% من قيمتها من جهة اخرى!
فأموال المودعين كانت موزّعة بين الدولة المستدينة من جهة وبين القطاع الخاص المستدين من جهة أخرى وكليهما خرج رابحاً من هذه الأزمة أما الخاسر الوحيد وما زال فهو المودع اللبناني.
• 60 مليار دولار قيمة القروض الى القطاع الخاص لم يبقى منها الا 12 مليار لولار أي ما يساوي 2.5 مليار دولار، يستفيد منها كبار التجار والمقاولين ورجال أعمال كثير منهم يعمل خارج لبنان وليس له ودائع فيه، و18.000مليار ليرة تساوي 500 مليون دولار.
• 33 مليار دولار يوروبوندز للدولة اللبنانية يساووا في احسن الأحوال 5 مليار دولار و100 تريليون ليرة دين يساووا ما يوازي 3 مليار دولار.
هؤلاء هم المستفيدين الأساسيين من الأزمة فيما المودعين هم من كبار الخاسرين وسيستمروا كذلك طالما بقيت الشعبوية هي الأساس في أي نقاش يتعلّق بمعالجة الأزمة التي نعيشها وبإقرار القوانين المطلوبة.
وبعد،
الم يكن أفضل أن نقوم بإدارة مرشّدة وموزونة للسيولة ولميزان المدفوعات لتخفيف العجز فيه وبالتالي تخفيف الضغط على الليرة بدل ترك البلد في فوضى كاملة، وليس المقصود طبعاً أن نكون في إقتصاد مقيّد أو موجّه، إنما من الطبيعي في ظلّ أزمة حادّة كالتي نعيشها، أن نحتاج الى ضوابط والى وضع اولويات لتأمين الأساسيات على حساب الكماليات.
هل بإمكان لبنان أن يستمرّ بتمويل إستيراد بلغ هذه السنة حتى شهر 7 مجموع 10.5 مليار دولار مع توقّع 18 مليار حتى آخر العام أي تقريباً ما يوازي حجمه قبل الأزمة؟
لو كان هذا التمويل يحصل مع ميزان مدفوعات من دون عجز كنا لنحمد الله على ذلك لأنه يعبّر عن نمو إقتصادي ما،
أما أن يأتي من خلال عجز ما زال كبيراً في ميزان المدفوعات فهذا تمديد للنمط نفسه الذي تسبّب بالإنهيار وهو مزيد من تبديد لما تبقى من دولارات موجودة في البلد وضغط كبير على الليرة جراء الطلب المتزايد على الدولار….
وإذا كان حرّ أي كان أن يشتري ما يريد وأن يصرف أمواله بالطريقة التي يراها مناسبة وهذا حقّ مقدّس لا يريد أحد المسّ به، إنما إدارة السيولة لضبط العرض والطلب والضغط على الليرة، يبقى من مسؤولية السلطات السياسية والنقدية خلال ازمة كالتي نعيشها.
ولو إفترضنا أن هذا النمط لا يحقّ لنا المسّ به في نظام إقتصادي حرّ حتى في ظل أزمة طارئة كأزمتنا، الا يجب أن يقابله على الأقل رسوم وضرائب متناسبة معه كي تستطيع الدولة من خلال التوازن أو حتى الفائض في موازنتها، أن تخفّف من التداعيات السلبية على الواقع النقدي!
فلو سلّمنا جدلاً أن 70 الى 80% من الشعب اللبناني هو تحت خطّ الفقر وهو غير معني إلا بسلع أساسية هي بمعظمها معفية من الرسوم، اليس إستهلاك السلع المتبقية ناتج بشكل أساسي عن طبقة مقتدرة لها كامل الحرية به ولكن لها أيضاً كامل الواجبات لتدفع من أجله ما يتوجّب عليها للمالية العامة ؟ أو يجب إبقاء الدولة في حالة إفلاس تام وهي مجبرة بجباية على أساس دولار يوازي 1500 ليرة، وكيلووات كهرباء على اساس 135 ليرة ونتعجّب بعدها لماذا العجز بهذا الحجم ولماذا الدولة عاجزة عن القيام بأي شيء في الخدمات المتوّقعة منها.
اليوم المطلوب أن نختار بين سلوكين:
– السلوك الأول هو الذي لا يقدّم أي حلّ لرواتب وأجور اللبنانيين ومعالجة قدرتهم الشرائية إنما هو يعتقد أنه يساعدهم من خلال عدم زيادة أي أعباء إضافية عليهم (-وهو فعلياً يحمي خاصة التجار وأصحاب الأرباح الكبار-) ولو على حساب إنتظام المالية العامة وهو سلوك شهدناه قي السنوات الثلاث الماضية وأترك للبنانيين أن يقدّموا شهادتهم فيما كانت نتيجة هذا السلوك عليهم؟
– والسلوك الثاني يذهب الى تحقيق التوازن المالي في الموازنة وفي ميزان المدفوعات مرفقاً بتصحيح للرواتب والأجور لا يكون حينها وهمياً بل حقيقياً، لأنه سيترافق مع تصحيح للعجز المالي العام الذي يضبط الى حدّ كبير سعر الصرف ويؤدي الى استقراره بالإضافة طبعاً الى خطة تعافي تعيد النمو الإقتصادي وتزيد الناتج المحلي وتكبّر الإقتصاد.
خياراتنا وسلوكنا يجب أن يكون على هذا لقدر من التفكير لأن كل ما شهدناه من إدارة أزمة وتردّد وإرباك وإضاعة وقت في المراحل السابقة لم يأتي الا بمزيد من الخسائر والتراجع على اللبنانيين.
5- ونتابع خامساً وأخيراً، الم يتضرّر الإقتصاد كما المواطنين من عدم توحيد سعر الصرف وترك هذه الفوضى النقدية العارمة على كل المستويات؟
ما الذي يخدم الإقتصاد والمواطنين وخاصة المودعين أكثر: تعدّد في أسعار الصرف يكرّس اللاإستقرار، ويضرب الثقة في العملة الوطنية، ويدفع الى الدولرة الكاملة، أم توحيد سعر الصرف وإعتماده في كافة المجالات أكانت في جبايات الدولة، أو في سحوبات الناس لودائعهم، أو كقاعدة لتصحيح الرواتب والأجور!
فبدل هذا الجدل الشعبوي حول الدولار الجمركي، الذي ينخفض أو يرتفع في بورصة إعتماده وفقاً للضغوط الإعلامية أو السياسية بدل أن يكون إعتماده وفقاً للقواعد العلمية، يجب أن يرتبط الدولار الجمركي بالسعر الفعلي والحقيقي للسلع المستوردة لأنها مستوردة بالعملة الأجنبية وليس المحلية،
والتعاطي السليم والصحّي هو في إعتماده على اساس سعر الصرف الموحّد (“صيرفة” مثلاً) إنما بعد تخفيض الرسوم الجمركية بشكل ملحوظ مما يسمح بحفظ واردات الدولة دون أن يؤدي الى إرتفاع كبير في الأسعار. كما يجدر طبعاً إعفاء كل السلع الحياتية والأساسية التي يحتاجها المواطنون من أي رسوم أو زيادات.
هذه هي المقاربات المطلوبة بدل الترقيع من هنا وهناك على حساب معالجات شاملة ذات مردود أفضل ومستدام مقارنة مع الإجراءات الجزئية والناقصة والتي لا تحلّ المشلكلة.
—————————————————–
انطلاقاً من هنا، ومن حرصنا على الإنتظام المالي، يجب إقرار هذه الموازنة مع إعتماد صيغة لسعر الصرف تتناسب مع العجز الأكثر انخفاضاً لأن هذا يبقى الأولوية في موازنة الحدّ الأدنى هذه، التي يطلب منها إعادة القطاع العام والدولة الى عملهم ويطلب منها التأسيس لتوازن بين الإيرادات والنفقات، يجب الوصول اليه بالتدرّج وفقاً لخطة خمسية كحدّ أقصى توصلنا الى صفر عجز.
أما لسنة 2023 فلا يجوز أن يكون هناك أي اسباب تخفيفية لعدم تقديم موازنة إصلاحية بإمتياز مع سعر صرف واحد وموحّد تعكس خطة تعافي يجب حسمها بشكل نهائي هذه السنة وتقوم على مبدأ تحميل الجميع بما فيهم الدولة المسؤولية عن الخسائر وفي عملية الإنهاض والتعافي المطلوبة.
حتى هذا الحين، ما هو مطلوب تجاه هذه الموازنة هو تحمّل المسؤولية وليس الهروب منها.

