الأخبار: راجانا حمية-
للمرة الأولى منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار، يُوضع مرفق صحي في دائرة التهديد المباشر. فقد أقدم العدو الإسرائيلي، أول من أمس، على تهديد مستشفى «الشهيد صلاح غندور» في بنت جبيل، عبر رمي منشورات تحذّر المواطنين من الاقتراب من المستشفى بذريعة جاهزة مفادها وجود «حركة عسكرية داخل المنشأة». وهي ذريعة استخدمها العدو لتبرير استهداف القطاع الصحي خلال الحرب، حين قصف المستشفيات ومراكز الرعاية والجمعيات الإسعافية، وقتل المسعفين والطواقم الطبية.
بهذا التهديد، يرتقي العدو إلى مستوى جديد من المواجهة، متجاوزاً مرحلة القتل «على الهوية» بذريعة ملاحقة من يدّعي أنهم «إرهابيون»، والاستهداف اليومي للمدنيين وآليات ورش الإعمار، إلى مرحلة الاستباحة الكاملة في القتل عبر تهديد المستشفيات.
في الظاهر، لا غرابة في ما يقوم به العدو الإسرائيلي، الذي بات القتل والتدمير حرفته. لكن في العمق، ثمّة سردية يسعى إلى تمريرها كلما وسّع دائرة استهدافاته. فالقتل لم يعد الغاية بحد ذاته، إذ إن ما ارتكبه في غزة، من مجزرة مستشفى المعمداني وغيرها، يكفي لتأكيد ذلك. ما يريده اليوم، مع أول تهديد لمنشأة صحية بعد وقف إطلاق النار، هو اقتلاع أي مظهر من مظاهر الحياة في الجنوب، عبر ممارسة شكل واضح من العقاب الجماعي بحق كل من يحاول استعادة الحد الأدنى من النشاط في هذه المنطقة.
التهديد سبب إرباكاً لكنه لم يؤثر على العاملين والطواقم الطبية
وفي ما يخص تلفيقات العدو بحق مستشفى «صلاح غندور»، مبرراً تهديده بـ«حركة شباب» داخل المؤسسة الصحية، يوضح مدير المستشفى الدكتور علي شلهوب أن المسألة تتجاوز الاستهداف المباشر إلى «تخويف الناس»، لافتاً إلى أن مجرد إطلاق الشائعة كفيل بإحداث بلبلة وخوف بين الأهالي.
وهذا بحد ذاته هدف يسعى العدو إلى تحقيقه، عبر إبعاد الناس عن المنطقة وعن المستشفى الذي لا يزال صامداً. صحيح أن التهديد «لم يؤثر على العاملين والطواقم الطبية»، بحسب شلهوب، إلا أن الانتقال إلى هذا المستوى من المواجهة «مربك، باعتبار أن كل شيء متوقع من هذا العدو»، ولذلك أخذ المستشفى المنشورات على محمل الجد، «خصوصاً أنها ليست المرة الأولى التي نتعرض فيها للإشاعات، ففي كل الحروب السابقة كان لنا حصة منها ومن الاعتداءات»، وآخرها خلال حرب الـ66 يوماً، عندما تعرض المستشفى لقصف مباشر وأُصيب 9 من أفراد طاقمه الطبي.
على المستوى العملي، كانت الخطوة الأولى النفي القاطع لادعاءات العدو، والتأكيد أن المستشفى يستقبل المدنيين من مختلف الطوائف، إضافة إلى التنسيق مع وزارة الصحة لاتخاذ «الإجراءات الممكنة»، في ظل واقع لم تعد فيه المواثيق والقوانين الدولية كافية لضمان الحماية. وفي هذا الإطار، سُجّل تضامن واسع مع المستشفى، تحسباً لتهديدات مماثلة قد تستهدف مستشفيات أخرى.
فالقتل والتهديد في قاموس العدو «أمر مفروغ منه»، بحسب نقيب الأطباء الدكتور إلياس شلالا، فيما طالب نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة، الدكتور بيار يارد، «بحماية القطاع الصحي وطواقمه، عملاً بالاتفاقات الدولية، ولا سيّما اتفاقات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية، التي تنصّ على وجوب حماية المستشفيات والوحدات الطبية والعاملين فيها بشكل صارم أثناء النزاعات المسلحة».

