
كريس تشوبوريان (جبّور) –
في زمن الحصار، إن كان الإقتصادي المالي أو العسكري، هناك نوعان من الناس: نوع يندب حظّه و يبكي على السنوات التي يخسرها من رصيد حياته، و نوع يكافح و يناضل ليكتب التاريخ و يصنع وطنًا يليق به و بأبنائه. في كلا الحالتيْن، الوقت سيمرّ و السنوات ستنطفئ، فنحن إمّا نضيّعها في بحر من الدموع و إمّا نتسلّق الجبال لنرى أفق أوسع فنجبر التاريخ أن يكتب على إحدى صفحاته إسمنا تحت خانة “المواطنين”. نعم، فالمواطن ليس مَن يستفيد من وطنه و يرميه قبل انهياره الكامل بل هو مَن يمنع سقوط وطنه فيحمله على أكتافه. هذا ما أكّده الدستور حيث نصّ على أن لكل مواطن حقوق و لكن واجبات أيضًا.
نعيش اليوم في زمن الحصار الإقتصادي المالي، و معظم أبناء جيلي، جيل العشرين، محبط و منزعج من الوضع ليس لأن الوطن ينهار و يُدمّر لحسابات سياسية دولية بمساعدة عملاء الداخل، بل لأنّه أصبح في العشرين من عمره و لا يستطيع السهر و السفر. أتساءل في بعض الأحيان إلى أي جيل أنتمي؟
أجلس مع أشخاص كافحوا و ناضلوا في مسيرتهم فأدهش برواياتهم و أُحبَط بسطحية جيلي.
و كوني لبناني من أصل أرمني، الروايات التي أسمعها كثيرة بين الحرب الأهلية و المجازر الأرمنية.
تذكّرت نضال أهلي بين الحرب الأهلية و زمن الوصاية:
-يتذمّر الجيل الحاضر أنّه ملزم بالبقاء في المنازل، بسبب إنتشار وباء كورونا، و ينسى أنّ أهله كانوا يبقون في الملاجئ، ليس للوقاية بل لحماية أنفسهم من الرصاص و القذائف.
-يتذمّر الجيل الحاضر أنّه ليس لديه في المنزل غير الألعاب الإلكترونية و الأفلام و الهواتف الذكية و غيرها من وسائل التسلية و ينسى أنّه كل ما كان لدى أهله من وسيلة للتسلية آنذاك هي لعب الورق.
-يتذمّر الجيل الحاضر أنّه محاصر في البيت و لا يذهب إلى المطاعم و ينسى أن أهله كانوا محاصرون بسبب ميليشيات قرّروا ممارسة الضغط بمنع وصول المأكل و المشرب و المازوت للتدفئة في الشتاء.
-يتذمّر الجيل الحاضر أنّه مسجون بين جدران منزله الدافئ و بين أهله، و ينسى أنّ أهله اعتقلوا و وضعوا في المستودعات و تم تعذيبهم ليلا نهارا.
في وهلة تذكّرت روايات أجدادي الذين عاشوا الإبادة الأرمنية:
-تذكّرت ماذا عانوا ليحافظوا على هويّتهم، فمشوا في الصحراء لأشهر دون ماء و دون أكل، ضُربوا و صُلبوا و قُطعت رؤوسهم و أعضاء من أجسادهم، و لم يركعوا للأتراك و لم يستسلموا في وجه المعانات، و يأتي بعضنا و يركع للخارج و يقبل بشروطهم تحت الحصار الإقتصادي.
-تذكّرت كيف تمسّك أجدادي بأراضيهم و حتّى حين انتُزعت منهم ما زالوا يطالبون بها حتّى اليوم، و يأتي بعضنا اليوم و يقول: “فليأخذوا ما يشاؤوا في ترسيم الحدود البحرية إذا هذا هو شرطهم ليتركونا بسلام”
ألم يكن من حقّ أجدادنا العيش بسلام أيضًا؟ ألم يكن من حقّهم السهر و المرح و السفر و التسلية؟
يجمع هذا الشهر ذكرى بدء الحرب الأهلية اللبنانية و ذكرى الإبادة الأرمنية، و بين الذكرتيْن نضال تضحية و كفاح. فأين نحن من هذا الجهد في سبيل المحافظة على وطننا؟ المطلوب ليس العذاب بل التضحية. قدرنا أن نولد في بلدٍ اسمه لبنان و أن نعيش فترة انهيار الدولة إقتصاديًا و ماليًا. فنحن أمام خيارَيْن: إمّا أن نجلس على حافة الشرفة و نشاهد الوطن ينهار و نزرف دمعتيْن و نندب حظّنا لماذا ولدنا في لبنان، و إمّا أن نتعلّم من أجدادنا الكفاح و النضال و نجعل هذه الأزمة محفزًا لضمائرنا و نقطة تحوّل إيجابية في تاريخ لبنان.

