لم يُنتهَك مفهوم مرتبط بالدولة مثلما انتُهك مفهوم “السيادة” في لبنان على يد عدد هائل من القوى السياسية والشخصيات المتلونة بحسب المصالح. أساساً في لبنان قبل تشكله ككيان ودولة هناك صراع تاريخي، بين الوطنيين الذين لا يبنون سياساتهم وقراراتهم إلا على أسس ذاتية لبنانية، وبين الذين يسمعون للولاة في الجوار، وعبر البحار.
وفي كلّ محطة، تبدأ ظاهرة “التلون” لتواكب التلطي تحت انتهاك “السيادة”. في ال2005، تحولت طبقة سياسية بأكملها من الإنتظار عن باب إقامة غازي كنعان في عنجر لترفع لواء “السيادة” وتنصب نفسها مدافعة عنها، لا بل عملت على اللحاق بالنظام في سوريا حتى عقر الدار، وربطت مصيرها بإسقاطه والتدخل في شؤون لا يستطيع اللبنانيون تحملها. لا مصلحة لهم أساساً. كما باتت هذه القوى في موقع توجيه الإتهام للشخصيات الوطنية والسيادية الحقيقية بالفعل التي تتخذ قراراتها من لبنان، وليس بتوصيات من المخابرات السورية أو جيفري فيلتمان أو برنارد إيمييه.
في انتخابات 2022، توّج التلوّن السياسي نفسه باستهلاك “السيادة” إعلامياً. لا بل “عهّروا” هذا المفهوم الأساسي لبناء الدول. بات كل قريب من السياسة الأميركية أو دائم التردد على أصغر دائرة في واشنطن، ينصّب نفسه “سيادياً” مدافعاً عن ذاتية لبنان، في مواجهة التيار الوطني الحر وحزب الله. وهما طرفان، وللمفارقة ومهما بلغ الإختلاف حول مفهوم الدولة بينهما، فإنهما دفعا ثمن السيادة سواء بالدم، أو بالنضال مع ما كلفه ذلك من قمع واعتقالات. هذا عداك عن أن هذا الهجوم الذي بدأ منذ 17 تشرين، كان نتيجة للإصرار على “سيادة” حقيقية للبنان بالحفاظ على ثرواته، ورفض توطين اللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين.
وبات أيضاً، كل مرتبط سابق بالمخابرات السورية، أو خائفاً منها، وكل من يريد التسلق عبر التودد لسفارات فرنسا ولولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، في موقع ينصّب نفسه “سيادياً”، لا هم له إلا ركوب الموجات الإعلامية، التي سرعان ما يتبين أنها عابرة.
اليوم، وبعد التوافق السعودي – الإيراني عبر بوابة بكين، سقطت مجدداً الأقنعة الجديدة التي حاولت الطبقة الحربائية أن تتلبسها. لم ينبس هؤلاء “السياديون” ببنت شفة، لا بل أنهم جهزوا أنفسهم للتحول الإعلامي والسياسي، ترويجاً لأهمية “الإستقرار” الجديد في المنطقة، ولفوائده على لبنان. وبغض النظر عن المصلحة الحقيقية للبنان في تراجع الإشتباك الإقليمي، ومن ضمنه المذهبي السُني – الشيعي، فإن اتفاق بكين أعاد إظهار مدى صغر الجزء الغالب من الطبقة السياسية اللبنانية وتنفيذها مصالح القوى الإقليمية والدولية. وأتى استحقاق رئاسة الجمهورية، ليقزّم من هالات “السياديين” الجدد المتبعثرين على السفارات.
هل يجوز التعميم؟ الواقع وحده هو من يحكم. في الماضي، وعندما أراد الأميركيون والسوريون فرض المرحوم مخايل الضاهر تحت التهديد بسيف الفوضى عام 1988، وقف ميشال عون ليقول لدايفيد نيوتن أنه “ما عليك سوى استدعاء الأسطول السادس”.
وفي وقت يتسابق المرشحون الرئاسيون لكسب ود أروقة الإدارة الفرنسية، وينتظرون همسة من هنا، أو وشوشة من هناك، كان التيار الوطني الحر يطرح منذ البداية، التوافق اللبناني خارطة طريق لانتخاب رئيس بالإرادة الذاتية اللبنانية أولاً. لا يتوهمن أحدٌ بإخراج النفوذ الخارجي كلياً. لكن الأساس يبقى المصلحة الذاتية الوطنية ب”صنع” رئيس بناءً على رؤية معينة لإصلاح مالي واقتصادي، لكيفية التعامل مع صندوق النقد الدولي، مع خطة التعافي، مع هيكلة المصارف، مع استثمار ومعالجة أملاك الدولة… بعبارة أخرى، ما يعني اللبنانيين في مستقبلهم ومصلحتهم، وبعدئذ، يُنظر في كيفية التعاطي مع مصالح الخارج.
هي قصة مدارس في التفكير السياسي؟ إنها أزمة أخلاقية وقيَميّة أولاً…

